24‏/2‏/2013

من وحي الطوسي: الكويت والتجربتين الإيرانية والماليزية

دأبت شركة جوجل خلال السنوات الماضية على الاحتفال بأهم المناسبات العالمية من خلال إشارة رمزية على اسم الشركة على صفحة محرك البحث الشهيرة. شدني - ولعل الآلاف غيري كذلك - قبل أيام قليلة إشارة الشركة بصورة رمزية للعالم المسلم (نصير الدين الطوسي) بمناسبة ذكرى ميلاده ال812. قد تكون هذه الشخصية نوعا ما معروفة لدى أتباع مذهب الإمامية الاثناعشرية كونه من أكابر علمائهم في مجال العقيدة الإسلامية فضلا عن وجود قبره إلى جوار قبر الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد عليهما السلام في مرقدهما الطاهر بحي الكاظمية ببغداد. غير أن القليل .. بل أقل من القليل من المسلمين (حتى من الإمامية) يعرفون قيمة هذا العالم في مجالات العلوم الأخرى. ففي الفيزياء مثلا كان من أوائل من قال بنظرية بقاء المادة، وفي الرياضيات وضع أسسا لعلم المثلثات الكروية إلى جانب علمه بالفلك ودحضه لنظرية مركزية الأرض التي كانت سائدة آنذاك. أضف إلى ذلك انه كان من اوائل من اعطى وصفا دقيقا لمجرتنا (درب التبانة) التي أثبتها العالم جاليليو بعده ب400 عام. وتخليدا لذكرى هذا العالم الاستثنائي في مجال الفلك فقد سميت فوهة بركانية بقطر 60 كم تقريبا على سطح القمر ب(نصير الدين) إلى جانب كويكب في مجرتنا يحمل اسم (طوسي).  وللطوسي من الآراء والبحوث العلمية الأخرى كثير في وقت كان العالم الغربي ما يزال يعيش في غياهب القمع العلمي إن صح التعبير. هذا ناهيك عن إبداع الطوسي في الفلسفة والشعر وما خلده التاريخ له من مدح لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب بقصيدته المشهورة "لو أن عبدا أتى بالصالحات غدا.."
عبقرية الطوسي - كغيره من علماء المسلمين الأوائل - لها دلالات كثيرة لعل أهمها بيان اهتمام الدين الإسلامي بالعلوم والذي أكده الشارع المقدس في أكثر من موطن وموقف. وهي أيضا تدحض أباطيل البعض بالقول أن الدين يتعارض مع العلم فمعظم من برع في مجالات العلوم الإنسانية كانوا من المتفقهين في الدين كابن سينا في الطب وجابر بن حيان بالكيمياء فضلا عن صاحبنا الطوسي. كيف لا وقد استلهموا ذلك من المعلم الأول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله "أنا مدينة العلم وعلي بابها" ثم نهلوا من فائض علم علي بن أبي طالب الذي تحدى العالم بمقولته الشهيرة "سلوني قبل أن تفقدوني فإني والله أعلم بطرق السماء منها بطرق اﻷرض" وقوله عليه السلام "علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب".
لكن مع كل هذه الأهمية التي أولاها الدين الإسلامي للعلم وتبجيله للعلماء، فعالمنا الإسلامي اليوم يعيش حقبة ظلامية ونور العلم فيه خافت ولهذا أسباب متعددة لعل أحدها انسلاخ العالم الإسلامي بشكل عام عن ثوابته التي أهمها تقديس مكانة العلم. غير أن هناك في عالمنا الإسلامي شموعا علمية لعلها من بقية ذلك النور الذي سطع قبل قرون خلت. فلا يمكن لعاقل ومتابع دقيق إهمال التطور العلمي الكبير الذي تشهده جمهورية إيران الإسلامية. فإيران التي تعاني حصارا اقتصاديا وسياسيا لا تعانيه أي دولة أخرى أصبحت اليوم تناطح كبريات الدول في جوانب متعددة. فالواقع اليوم أن إيران تملك طاقة نووية تكفي احتياجات شعبها مئات السنين. والواقع اليوم أن إيران غزت الفضاء. والواقع اليوم ان إيران دخلت ع0الم الحرب الالكترونية وغير ذلك كثير. كل هذا واقع وليس ضربا في عالم الأحلام. وإن كانت إيران استمدت هذه القوة من ما تملكه من نفط وغاز وغيرها من الموارد، فلا بد لنا أن نذكر ماليزيا البلد الإسلامي الذي كان يوما ما من أفقر الدول فأصبح اليوم من أقوى البلدان الصناعية. فهذه المملكة الآسيوية باتت اليوم عملاقا من عمالقة الصناعة مما دفعها لتكون ثالث أقوى اقتصاد آسيوي. هذا بالإضافة إلى الميزانية الكبيرة التي توليها الدولة لوزارة العلوم والصناعة والابتكار مما حدى بها لتكون من أكثر الدول المصدرة للأجهزة الالكترونية. ناهيك عن برنامجاها الفضائي الذي بدأ بالعام 2002 إلى جانب استثمارها البشري. فإبان دراستي في بريطانيا زاملت عددا من الماليزيين وأعجبت كثيرا بتفوقهم العلمي فضلا عن تمسكهم بقيمهم اﻹسلامية.
من هنا يطرح السؤال: أين الكويت من كل ذلك؟! أظن الجميع متفق أنه لو اطلعنا على خريطة العالم العلمية والصناعية والتكنولوجية فلن نجد ذكرا للكويت. وهذا ما يقودنا للسؤال التالي .. لماذا؟! فلا نحن نعاني من حصار خانق كإيران ولا نحن بالأساس بلد فقير كماليزيا. فالموارد الطبيعية والبشرية متوفرة لجعل الكويت مركزا علميا وصناعيا مهما لكن الواقع مع الأسف مخجل جدا في هذا المجال. حتى مؤسساتنا العلمية كمعهد الأبحاث ومؤسسة التقدم العلمي وجامعة الكويت لم تصل بنا لذلك الطموح الحقيقي من التطور العلمي. وان كانت هناك بعض المحاولات الفردية الجادة من ابناء هذا الوطن لرفع مكانة الكويت العلمية فإنهت تبقى اسيرة إهمال الدولة. واللوم أولا وأخيرا يقع على الحكومات والمجالس المتعاقبة التي أهملت هذا الجانب الذي يعد عصب الحياة العصرية. فقضايا العلم والتعليم حصرت في الاختلاط وخفض نسب القبول وتعيين وعزل مدراء وعمداء وغيرها من القضايا الثانوية والشخصانية. بل حتى المجلس القائم لم تكن ضمن أولوياته ال 18 اي شيء يتعلق بالتعليم والتقدم العلمي رغم توجيهات صاحب السمو في هذا المجال. مستقبل الكويت سيلعن كل من كان بيده تطوير الكويت علميا ولم يسهم بشكل جدي في ذلك خصوصا أوبئك الذين يدعون تمسكهم بالإسلام وهم من أهمل جوهر الدين واكتفوا بقشوره.
وللحديث تتمة.

قطرة:
جوجل لم ينظر إلى دين الطوسي الإسلامي .. ولا مذهبه الجعفري .. ولا أصله الفارسي .. لكنه نظر إلى تراثه العلمي .. كم أنت كبير يا (جوجل)!