26‏/12‏/2013

"بوق" .. لا تخاف

"بوق" .. لا تخاف !

يحكى أن مستثمرا أجنبيا أتى إلى الكويت والتقى أحد كبار التجار عارضا عليه إقامة مشروع ضخم فلما أخبره التاجر عن قيمة الصفقة صعق الأجنبي للسعر الذي أعطاه إياه التاجر، فسأله والتعجب يعلو جبينه "لم كل هذه المبالغة بالسعر لمشروع من هذا النوع؟" فأجابه التاجر بأنه سيأخذه في جولة على بعض المشاريع ليعطيه فكرة أكبر حول قيمة المشاريع في الكويت. وما إن وصلوا إلى "البر" توقفت سيارة التاجر وفتح النافذة وأشار بسبباته قائلا "أترى هذا المشروع؟" سكت الأجنبي برهة، بلع ريقه ونزل من السيارة وهو يلتفت تارة يمينا وأخرى شمالا وهو يسأل "لا أرى إلا رمالا يا رجل؟" فقال التاجر الكويتي "بالضبط.. هذا المشروع قيمته 10 ملايين دينار!!" المهم.. أن المستثمر الأجنبي ذهب إلى قطر وعمل مشروعه وبالأرباح التي جناها اشترى له بيتا في مشروع النخلة بدبي.

هذه من الطرائف التي يتداولها المواطنون في هذا الزمن والتي تعبر بسخرية عن واقع اسمه (التعدي على المال العام)، الواقع الذي أصبح سمة أساسية من سمات مجتمعنا حتى صار من الدارج أن تسمع مقولة: الكويتيون "بس شاطرين بالبوق"! بل أصبح الشعب لا يمانع من سرقة المال العام ويعتبرها من المسلمات أحيانا طالما أن وراء السرقة إنجاز لمشروع حيوي "سنع" على غرار جامعة أو مستشفى أو حتى استاد رياضي! لم يترسخ هذا الانطباع في ذهن المواطن البسيط من قبيل المصادفة أو على خلفية حادثة عابرة هنا أو هناك، بل لكثرة ما سمع وقرأ عن "بوقات" تقدر بمئات الملايين - ان لم تكن بالمليارات - خلال أكثر من عقدين من الزمن كحوادث الناقلات و الاستثمارات الخارجية وصولا إلى مجمعات تجارية وسرقة الديزل وقضية الفحم المكلسن وعقود لشركات نفطية كانت آخرها فضيحة "الداو" الشهيرة حتى وصل اﻷمر ب"الحرامية" أن سرقوا حتى "الرمال". فما أثاره رئيس لجنة الميزانيات والحساب الختامي السيد عدنان عبدالصمد حول ما أورده ديوان المحاسبة من شبهة سرقة رمال جامعة الشدادية تقدر قيمتها بالملايين ليس إلا سلسلة من حلقات المسلسل الكويتي (بوق لا تخاف)، وهي امتداد لما صرح به السيد عدنان نفسه من مخالفات مالية لمختلف مؤسسات الدولة قبل فترة قصيرة والتي على إثرها اجتمع قطبا السلطتين التشريعية والتنفيذية باللجنة ذاتها في اجتماع عد اﻷول من نوعه لبحث كيفية تلافي "الفضايح". وفي وقت كنا ننتظر فيه المسؤولين عن الجامعة ومن باب الشفافية فتح ملف تحقيق بالموضوع رأينا تسارعهم لنفي الحادثة وزيارة الموقع لتصوير الرمال الموجودة لطمأنة الشعب أن "ترابهم" بالحفظ والصون في خطوة مستغربة نوعا ما. في ذات الوقت ما زلنا نتساءل عن الإجراءات التي سيتخذها ديوان المحاسبة ومجلس اﻷمة لكشف ملابسات هذه القضية أم أن مصيرها سيكون الوأد كحال ما سبقها من القضايا المشابهة.

ستستمر حلقات المسلسل الكويتي (بوق لا تخاف) إلى ما لا نهاية طالما أن مقص الرقيب أصابه الصدأ ولا يصلح حتى ﻷن يكون مقص بيد "حلاق" ليبقى لسان حال المواطن المسكين "إذا حاميها حراميها .. بعد ما ظل بيها!"

19‏/12‏/2013

عباس و الغيلان

عباس والغيلان

لطالما كانت مباريات العربي والقادسية تحظى باهتمام جماهيري كبير جدا، فتجد الدواوين وطلبة المدارس وأبناء "الفريج" لا حديث لهم سوى عن المباراة المرتقبة، وما إن يحل يوم المباراة حتى تصل حالة الاستنفار إلى أقصاها وترى الجماهير "طوابير" أمام بوابة الاستاد قبل موعد اللقاء بساعات لضمان الجلوس بأماكن جيدة تتيح لهم المتابعة لعلمهم أن الاستاد سيمتلئ عن بكرة أبيه حتى قبل انطلاق الصافرة.

كنت أتخيل أن هذا المشهد سيتكرر في 12-12-2013 أمام بوابة مجلس اﻷمة وداخل قاعة عبدالله السالم في الجلسة الخاصة بالقضية الإسكانية خصوصا بعد الاهتمام الإعلامي الكبير الذي حظيت به القضية. فالقضية الإسكانية كانت دائما ما تحتل مراتب الصدارة في استطلاع أولويات المواطنين منذ العام 1996 كما أشارت صحيفة القبس في عددها الصادر بتاريخ 29-11-2013. وما يؤكد ذلك ظهور حملات شعبية شبابية على غرار (ناطر بيت) و (وطن بالأجار) وقيامهم بأنشطة متنوعة من اعتصامات ولقاءات مع المسؤولين، بل وصل اﻷمر أيضا إلى مخاصمة الحكومة قضائيا لتهاونها بتطبيق القوانين المتعلقة بالإسكان. كل هذه المعطيات كانت تنبئ أن المدرجات ستكتظ بالجماهير الغاضبة التي سئمت العيش تحت وطأة جشع "غيلان الإسكان" وأنها لن تخرج من المجلس إلا بتطاير "العقل" و"الغتر"، بل لم أكن ﻷستغرب لو "اقتحم" - أو "دخل" بمعنى أصح - أحد الجماهير منصة الرئاسة ومقاعد أعضاء الحكومة احتجاجا على الوضع المأساوي الذي وصل إليه حال الإسكان. لكن كحال مباريات العربي والقادسية، فغياب الجمهور عن حضور جلسة تتعلق بأولى أولوياتهم لم يكن أمرا مستغربا، فقد رأى الجمهور بعينه كيف أصبح المجلس في الفترة اﻷخيرة حملا وديعا لا قدرة له على مواجهة تكتيكات الحكومة وخططها  نظرا لضعف مستوى أغلب اللاعبين -أو الأعضاء - الحاليين مقارنة بما كان عليه في "الجيل الذهبي" للمجلس ما جعل الجمهور يؤمن في قرارة نفسه أن الحل ليس بيد مجلس "في جيب الحكومة"، وما بعض العنتريات التي استمعنا إليها من اتهام الحكومة والوزير المعني بالتقصير إلا مجرد "إبراء للذمة" كما وصفها بعض اﻷعضاء. بل حتى من حضر من الجماهير وتحدث بحرقة قلب معبرا عن "زهقته" لكثرة الكلام الإنشائي من أعضاء السلطتين رفع له الرئيس مرزوق الغانم "الكرت اﻷحمر" وطرده خارج المجلس بحجة تطبيق اللائحة وهو الذي وقبل أشهر قليلة فقط حيا الجماهير التي صفقت له بعد فوزه بمنصب الرئاسة! نعم كما قال عباس الشواف (زهقنا)، الشباب يا سعادة رئيس المجلس سئموا لكثرة ما يسمعون عن الفوائض المليارية لميزانيتنا ومن كثرة ما يرونه من مساحات الفضاء التي تفوق ال 90% من مساحة وطنهم والخاضعة لسيطرة "غيلان الإسكان". لقد ضاقوا ذرعا وهم يرون بأعينهم المخالفات الصارخة لقوانين الإسكان التي لا تطبق إلا على "عيال الفقارة" في حين يضرب بها أبناء "الغيلان" عرض الحائط في وقت لا يجدون من يقف بوجههم ويقتلع مخالبهم. أبعد ذلك كله ياسعادة الرئيس تستكثر على عباس حتى الاحتجاج في جلسة "صورية"؟

سيبقى الكويتي يحمل هم سكنه ليوم دفنه طالما أن أصحاب القرار عاجزون عن مواجهة هؤلاء الغيلان، لكن احذروا يا أصحاب القرار من غضب الصامتين، من عباس وأمثال عباس، فاليوم سكن وغدا صحة وبعده تعليم وغيره حتى ينادي المنادي منكم (الفرار الفرار .. مالنا من قرار)!

10‏/12‏/2013

الطبابيخ و "دملة البدون"

الطبابيخ و "دنبلة البدون"

من البديهي أنه مهما بلغت لذة "طبخة" ومهما تفنن الطباخ بمزج المقادير فإنها إن لم تجد طريقها إلى بطون الجياع فمآلها أن "تعفن" وترمى في سلة المهملات. حال مثل هذه "الطبخات" يشبه كثير من القوانين التي يشرعها مجلس اﻷمة، أو "مطبخ القوانين" كما وصفه الراحل علي المفيدي في المسرحية السياسية الساخرة (حامي الديار). ف"طبابيخ القانون" لدينا يتفنون في إصدار التشريعات حتى لم تكد تفتهم شاردة أو واردة إلا وشرعوا لها قانونا بغض النظر عن رأينا في تلك القوانين. وقد يتفق الكثيرون أن مشكلتنا في هذا البلد ليس غياب القانون بل العلة في تطبيقه، وهو ما يعني أنه مهما كان القانون ممتازا وصياغة بنوده محبوكة فطالما أنها لم تجد اليد التي تطبقها فلن تساوي الورق الذي كتبت عليه.

ولعل المثال الحي لمثل هذه القوانين هو ما يعرف بقانون تجنيس ال(4000) من البدون لعام 2013 الذي شرعه المجلس المبطل الثاني في مارس الماضي والذي تنتهي صلاحيته بعد أيام قليلة. هذا القانون الذي وصفه وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء ووزير الصحة الشيخ محمد العبدالله عقب إقراره آنذاك بأنه "ثمرة من إنجازات المجلس الحالي" وأن الحكومة "سوف تولي اهتمامها بشأن قضية البدون". تسعة شهور مضت يا معالي الوزير وما زالت هذه الثمرة معلقه لم تجد من يقطفها حتى صرنا نخاف أن ينخرها الدود فلا تعد صالحة للاستهلاك. بل لم نر خطوة حقيقية من حكومة الشيخ جابر المبارك توحي بأنها فعلا مهتمة بحل قضية البدون كما صرح الوزير العبدالله، وليس هذا باﻷمر المفاجئ. وكيف لها أن تهتم وهي تشعر بأن مثل هذه القوانين دائما ما تسبب لها "الحارج"، فلو عدنا بالذاكرة قليلا إبان "طبخ القانون" إياه لوجدنا كيف استماتت الحكومة للوقوف دون إقرار القانون بصيغته الأولى - أي تجنيس ما لا يقل عن 4000 - حتى تمكنت وبمساعدة بعض طبابيخ القوانين المحسوبين عليها من تحويله إلى (ما لا يزيد عن 4000) ناهيك عن جهودها من خلال بعض وزرائها في عدم تشكيل لجنة برلمانية تختص بشؤون البدون.

المماطلة الحكومية في علاج "دنبلة البدون" كما وصفها النائب سيد عدنان عبدالصمد ليست بالغريبة، لكن المستغرب هو تهاون النواب بعلاجها. فالسيد عدنان افتتح عضويته في المجلس الحالي بحزمة أسئلة حول هذه القضية وقانون ال4000 تحديدا، تلاه عدد من النواب مؤخرا مستنكرين تسويف الحكومة لتطبيق القانون المذكور، لكن هل هذا يكفي أيها السادة النواب؟ هل ستحاسبون الحكومة فعليا لو انتهت صلاحية القانون أم أنها ستكون محاسبة شكلية لا تتعدى حدود التهديد والوعيد والاستجواب الصوري كما فعل بعض الأعضاء سابقا؟

لقد شبع الشعب من رائحة "طبخ القوانين" وصار ينتظر متى يراها على "بوفيه التطبيق" بشرط أن يكون "بوفيها مفتوحا" يسري التطبيق فيه على الجميع، وإلا بدل "دنبلة بدون" واحدة فسنكون على موعد مع "دنابل" لا نعلم متى تنفجر، وإن انفجرت فلن تبقي ولن تذر، فحاسبوا قبل أن تحاسبوا !