*تحالفي الهوى*
بداية أود التنويه أنه هذه المقالة إنما هي اجتهاد شخصي في التحليل، غير خاضعة لمعايير علمية، فهي بذلك تحتمل الصواب وكثير من الخطأ. الأمر الآخر الذي أود قوله بأن كاتب السطور هو شخص لا يجمعه بالتحالف الإسلامي الوطني سوى "الهوى الفكري" وبعض العلاقات الاجتماعية، لذا فأرجو ألا يتم تحميلها أكثر مما تحتمل أو تأويلها خارج إطار خلفية كاتبها. فهي دعوة للنقاش والتفكير بصوت عال من شخص محب ناصح لا يرجو جزاء ولا شكورا.
في السطور القادمة سأحاول الوقوف على أسباب التراجع الكبير للتحالف في انتخابات ٢٠٢٠، وهي حلقة جديدة في مسلسل "التراجع" الذي حذرنا منه في ٢٠١٦ في رسالة كنا قد كتبناها آنذاك.
*الدائرة الأولى*
خسر السيد عدنان عبدالصمد أكثر من ربع أصواته التي حصل عليها في عام ٢٠١٦، وبالمقارنة مع ٢٠١٣ تكون نسبة الخسارة أقرب إلى ٤٠%. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار نسبة زيادة الناخبين الطبيعية (دون النظر لغير الطبيعية منها كنقل الأصوات)، فالتحالف فعليا يكون قد خسر قرابة نصف أصواته في دائرته المفضلة. قد يكون من الصعب الجزم بتراجع قاعدة التحالف في الدائرة الأولى، لكن ما يمكن القطع به أنه فشل في توسيع هذه القاعدة والبناء عليها، ناهيك عن عجزه عن استقطاب الأصوات "الحائرة" إلى مرشحه. لم يكن هذا التراجع الكبير أمرا مفاجئا، حتى للتحالفيين أنفسهم، ولعل أبرز الأسباب من وجهة نظري هي:
١. المكتب السياسي:
لا شك عندي بأن السبب الرئيسي بتراجع التحالف هو التحالف نفسه. فقبل حوالي عامين تداول ناشطون ومقربون من التحالف موضوع "حله". ورغم محاولة التقصي للوقوف على ملابسات "الحل"، إلا أن كل ما توصلنا إليه هو أن ما جرى ليس إلا مجرد إعادة ترتيب البيت التحالفي لفصل الجانب السياسي عن الاجتماعي، لكن التحالف ككيان باق ومستمر!! (وقد كان لنا رسالة في هذا الشأن أيضا). مشكلة مشاكل التحالف أن مكتبه السياسي والمسؤول عن اتخاذ قرارات الترشيح كان وما يزال "بلا ملامح" ورغم المطالبات المتكررة على مدى سنوات أن يظهر هذا المكتب بصورة واضحة عصرية تواكب المتغيرات المحلية والإقليمية، لكن - وللأسف - "عمك أصمخ". ضبابية مكتب التحالف السياسي طغت على موسم انتخابات ٢٠٢٠. فتداول أسماء مثل الحاج أحمد لاري والمهندس أنور غضنفري سبب لغطا واسعا قُبيل وبُعيد الإعلان الرسمي لمرشحي التحالف الذي انتهى لتزكية السيد عدنان ممثلا عنه في الدائرة الأولى، وهذا اللغط ينبئ عن وجود "شرخ" ما داخل بيت التحالف. ولعل ذلك ما دعى أمينه العام السابق سماحة الشيخ حسين المعتوق (فرج الله عنه) لإرسال رسالة مقتضبة مفادها "التمسك بوحدة الصف". ويمكنني القول أنه لولا اسم وتاريخ السيد عدنان لكان مقعد التحالف مهددا بشكل جدي، ولذا يحسب للمكتب السياسي التزامه باسم السيد، لكن ذلك لا يعفيه من حالة "الفوضى" التي كادت أن تكلفه قامة وطنية بقيمة السيد عدنان، بل لعلها كادت أن تكلفه تاريخ تيار بأكمله.
٢. المركز الإعلامي:
خسر التحالف المعركة الإعلامية حتى قبل بدأها. فعلى الرغم من النشاط الكبير والرائع لشباب التحالف في مختلف المنصات الإعلامية في إبراز مرشحيه عموما، إلا أنه من الواضح أنه لم يكن كافيا لتغيير مزاج الناخب، الشيعي تحديدا. ودون الخوض في تفاصيل قضايا محددة شهدها المجلس الماضي، لكن المتتبع بشكل دقيق يجد أنه كما كان للتحالف مواقف "حكومية" فقد كانت لهم أيضا مواقف "معارضة". لا أريد القول بأن السمة "الحكومية" التي رجحت كفتها في ميزان السيد عدنان كانت سببا في تراجعه، فالانتخابات أيضا شهدت سقوط "معارضين" اشتهروا بتقديم الاستجوابات كرياض العدساني الذي قدم بين مجلسي ٢٠١٣ و٢٠١٦ أكثر من ١٠ استجوابات والحميدي السبيعي الذي قدم خمسة، وكذلك عادل الدمخي الذي كان له نصيب في ٣ منها. لذا لم تكن مهمة الفريق الإعلامي للتحالف مجرد التذكير بمواقف نوابه ومرشحيه، بل المهمة الأكبر كانت "إقناع" الأصوات الحائرة والمترددة بأسباب اتخاذ تلك المواقف خاصة المثيرة للجدل منها، وهو ما عجزت عن أدائه بضع مقاطع مصورة معدة باحترافية وندوات انتخابية جاءت بالوقت الضائع. وحقيقة أستغرب أن تيارا بتاريخ التحالف وطاقاته البشرية وهو الذي كان يمتلك قناة فضائية يشار إليها بالبنان، ما يزال يتعامل من الناحية الإعلامية مع الانتخابات - والعملية السياسية بشكل عام - بعقلية انتخابات اتحادات طلبة أو جمعيات نفع عام !
٣. المنافس:
قبل مشاهدة وتحليل نتائج اللجان التفصيلية، من الصعب القول بأن "بلوكات" تحالفية صبت أصواتها على الدكتور حسن جوهر الذي لعله كان المنافس الأبرز للتحالف في هذه الانتخابات. بل برأيي أن ما جعل الدكتور حسن منافسا للتحالف هم "أقطاب" في التحالف نفسه. فمنهم من بقصد أو دونه حاول أن "يضرب" الدكتور حسن، ولأن العاطفة دائما ما تغلب العقل - كما حدث في ٢٠١٢ - فقد ارتدت الضربة عكسية على وضع الدكتور حسن، فلا أستبعد أنه بذلك جذب أصواتا لم تكن محسوبة عليه من باب التعاطف، وقد يكون جزءا لا بأس منها كان محسوبا على التحالف بالأساس. صحيح أن موقف الدكتور حسن من قضايا مثل التأبين وخلية العبدلي أقل ما يقال عنه أنه موقف متخاذل وسلبي، لكن علينا أن نقر بأنه تعرض لهجمة شرسة من بعض الأقطاب التحالفية التي ساهمت بشكل أو بآخر إما "باكتساح" الدكتور حسن أو تراجع السيد عدنان أو كليهما، كرد فعل "غير محسوب".
*الدائرة الثالثة:*
تراجع الدكتور خليل أبل بدأ منذ الانتخابات الماضية في ٢٠١٦ حيث كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط آنذاك. صحيح أن مجموع أصواته ظل كما هو في ٢٠٢٠، لكن المفارقة أنه كما فاز بفارق ٤٠٠ صوت في ٢٠١٦، فقد خسر بذات الفارق في هذه الانتخابات، وهي كنسبة قد تكون طبيعية في موازين الانتخابات. وعليه فكما أن التحالف في الدائرة الأولى فشل في توسيع قاعدته، فقد انسحب هذا الفشل على الدائرة الثالثة كذلك. وإذا ما أردنا أن نقف على أسباب خسارة الدكتور فلن نجدها تختلف كثيرا عما أوردناه فيما سبق عموما مع اختلاف التفاصيل. فالمكتب السياسي هو المسؤول الأول والأخير عن أي نجاح أو خسارة، بل المسؤولية تكون مضاعفة في حال الخسارة. ففريق كرة القدم الذي يلعب له نجوم ويفشل في تحقيق أهدافه، فالفشل غالبا يتحمله المدرب والإدارة. كما أن ضعف الدور الإعلامي لعب دورا برأيي، وإن كانت إعلامية الدكتور أفضل من إعلامية السيد بشكل عام خلال سنوات عمر المجلس. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مزاج الناخب الكويتي عموما يتأثر بشكل أكبر بالتواصل المباشر منه بالتواصل الإلكتروني، لذلك فإن تداعيات جائحة كورونا وغياب زيارات الدواوين والمقرات الانتخابية لا شك أنها ألقت بظلالها على النتائج. أخيرا فإن المرشح المنافس للدكتور خليل كان الدكتور هشام الصالح والذي حصل على زيادة حوالي ١٨٠٠ صوت عما حققه في ٢٠١٦. ولا يمكن القول بأن فوز هشام تسبب بخسارة خليل (أو العكس) نظرا لأن أصوات الأخير كانت ثابتة، لكن يمكن أن نستنتج أن الصالح كان أقرب لمزاج ناخبي الدائرة منه لأبل، وهو ما يحتاج إلى تحليل منفرد.
وقبل أن أنتقل للدائرة الخامسة، لا بد من الإشارة إلى أن خصوم التحالف وحملات التشويه والزيادات غير الطبيعية في الدوائر وغيرها من الأسباب كان لها دور في تراجع السيد عدنان وسقوط الدكتور خليل بكل تأكيد. لكن هذا لا يعفي المكتب السياسي أولا من المسؤولية، فهو من يقع عليه تحمل الثقل الأكبر لهذه النتائج المتواضعة.
*الدائرة الخامسة:*
لن أطيل الحديث حول خسارة السيد هاني شمس لسباق انتخابات هذه الدائرة لأنها بشكل عام تعد نجاحا بالقياس إلى عدد الأصوات التي حصل عليها بمعدل حوالي ٩٠٠ صوت زيادة عن ٢٠١٦. صحيح أن الزيادة كانت دون الطموح، خصوصا اذا ما أخذنا بالاعتبار عدم مشاركة النائب السابق عبدالله التميمي الذي حصد رقما مقاربا لشمس في ٢٠١٦. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على استمرار عجز التيار عن استقطاب السواد الأعظم من صوت المكوّن الشيعي في الدائرة، ناهيك عن الأصوات السنية الحضرية في دائرة أغلقت على المكون القبلي. في حسابات الانتخابات فالدائرة الخامسة لا تتحمل إلا نائب واحد من الطائفة الشيعية، ولذا فإن كان التحالف حريص على إيصال أحد أبناء هذا المكون فهو بحاجة إلى عمل كبير جدا وقرارات شجاعة، وإلا فإن خيبات الأمل ستتكرر.
*خلاصة القول*
نتائج انتخابات ٢٠٢٠ رسائل واضحة بأنه على التحالف الإسلامي الوطني أن يعيد حساباته بدل المرة ألفا، وأن يبدأ ذلك اليوم وليس قبيل موسم الانتخابات. وقبل التفكير بماهية وأسماء المرشحين للانتخابات القادمة، بب قبل البدء بتحليل نتائج الانتخابات الحالية علميا، فالخطوة الأولى تتمثل بإعادة هيكلة المكتب السياسي برمته، فإن كان هناك ثقة ب"اللاعبين"، ف"الإدارة" أثبتت عجزها عن مواكبة متطلبات المرحلة ولا بد لها من الرحيل، والمهم أن يصحب تغيير الأسماء تغيير في النهج كذلك، وما لم يحدث ذلك قريبا جدا، فالتحالف سينتهي "سياسيا" حين يعلن السيد عدنان تحديدا .. "اعتزاله".
عبدالله تقي