8‏/12‏/2020

تحالفي ‏الهوى

*تحالفي الهوى*

بداية أود التنويه أنه هذه المقالة إنما هي اجتهاد شخصي في التحليل، غير خاضعة لمعايير علمية، فهي بذلك تحتمل الصواب وكثير من الخطأ. الأمر الآخر الذي أود قوله بأن كاتب السطور هو شخص لا يجمعه بالتحالف الإسلامي الوطني سوى "الهوى الفكري" وبعض العلاقات الاجتماعية، لذا فأرجو ألا يتم تحميلها أكثر مما تحتمل أو تأويلها خارج إطار خلفية كاتبها.  فهي دعوة للنقاش والتفكير بصوت عال من شخص محب ناصح لا يرجو جزاء ولا شكورا.

في السطور القادمة سأحاول الوقوف على أسباب التراجع الكبير للتحالف في انتخابات ٢٠٢٠، وهي حلقة جديدة في مسلسل "التراجع" الذي حذرنا منه في ٢٠١٦ في رسالة كنا قد كتبناها آنذاك. 


*الدائرة الأولى*

خسر السيد عدنان عبدالصمد أكثر من ربع أصواته التي حصل عليها في عام ٢٠١٦، وبالمقارنة مع ٢٠١٣ تكون نسبة الخسارة أقرب إلى ٤٠%. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار نسبة زيادة الناخبين الطبيعية (دون النظر لغير الطبيعية منها كنقل الأصوات)، فالتحالف فعليا يكون قد خسر قرابة نصف أصواته في دائرته المفضلة. قد يكون من الصعب الجزم بتراجع قاعدة التحالف في الدائرة الأولى، لكن ما يمكن القطع به أنه فشل في توسيع هذه القاعدة والبناء عليها، ناهيك عن عجزه عن استقطاب الأصوات "الحائرة" إلى مرشحه. لم يكن هذا التراجع الكبير أمرا مفاجئا، حتى للتحالفيين أنفسهم، ولعل أبرز الأسباب من وجهة نظري هي:

١. المكتب السياسي:

لا شك عندي بأن السبب الرئيسي بتراجع التحالف هو التحالف نفسه. فقبل حوالي عامين تداول ناشطون ومقربون من التحالف موضوع "حله". ورغم محاولة التقصي للوقوف على ملابسات "الحل"، إلا أن كل ما توصلنا إليه هو أن ما جرى ليس إلا مجرد إعادة ترتيب البيت التحالفي لفصل الجانب السياسي عن الاجتماعي، لكن التحالف ككيان باق ومستمر!! (وقد كان لنا رسالة في هذا الشأن أيضا). مشكلة مشاكل التحالف أن مكتبه السياسي والمسؤول عن اتخاذ قرارات الترشيح كان وما يزال "بلا ملامح"  ورغم المطالبات المتكررة على مدى سنوات أن يظهر هذا المكتب بصورة واضحة عصرية تواكب المتغيرات المحلية والإقليمية، لكن - وللأسف - "عمك أصمخ". ضبابية مكتب التحالف السياسي طغت على موسم انتخابات ٢٠٢٠. فتداول أسماء مثل الحاج أحمد لاري والمهندس أنور غضنفري سبب لغطا واسعا قُبيل وبُعيد الإعلان الرسمي لمرشحي التحالف الذي انتهى لتزكية السيد عدنان ممثلا عنه في الدائرة الأولى، وهذا اللغط ينبئ عن وجود "شرخ" ما داخل بيت التحالف. ولعل ذلك ما دعى أمينه العام السابق سماحة الشيخ حسين المعتوق (فرج الله عنه) لإرسال رسالة مقتضبة مفادها "التمسك بوحدة الصف". ويمكنني القول أنه لولا اسم وتاريخ السيد عدنان لكان مقعد التحالف مهددا بشكل جدي، ولذا يحسب للمكتب السياسي التزامه باسم السيد، لكن ذلك لا يعفيه من حالة "الفوضى" التي كادت أن تكلفه قامة وطنية بقيمة السيد عدنان، بل لعلها كادت أن تكلفه تاريخ تيار بأكمله.

٢. المركز الإعلامي:

خسر التحالف المعركة الإعلامية حتى قبل بدأها. فعلى الرغم من النشاط الكبير والرائع لشباب التحالف في مختلف المنصات الإعلامية في إبراز مرشحيه عموما، إلا أنه من الواضح أنه لم يكن كافيا لتغيير مزاج الناخب، الشيعي تحديدا. ودون الخوض في تفاصيل قضايا محددة شهدها المجلس الماضي، لكن المتتبع بشكل دقيق يجد أنه كما كان للتحالف مواقف "حكومية" فقد كانت لهم أيضا مواقف "معارضة". لا أريد القول بأن السمة "الحكومية" التي رجحت كفتها في ميزان السيد عدنان كانت سببا في تراجعه، فالانتخابات أيضا شهدت سقوط "معارضين" اشتهروا بتقديم الاستجوابات كرياض العدساني الذي قدم بين مجلسي ٢٠١٣ و٢٠١٦ أكثر من ١٠ استجوابات والحميدي السبيعي الذي قدم خمسة، وكذلك عادل الدمخي الذي كان له نصيب في ٣ منها. لذا لم تكن مهمة الفريق الإعلامي للتحالف مجرد التذكير بمواقف نوابه ومرشحيه، بل المهمة الأكبر كانت "إقناع" الأصوات الحائرة والمترددة بأسباب اتخاذ تلك المواقف خاصة المثيرة للجدل منها، وهو ما عجزت عن أدائه بضع مقاطع مصورة معدة باحترافية وندوات انتخابية جاءت بالوقت الضائع. وحقيقة أستغرب أن تيارا بتاريخ التحالف وطاقاته البشرية وهو الذي كان يمتلك قناة فضائية يشار إليها بالبنان، ما يزال يتعامل من الناحية الإعلامية مع الانتخابات - والعملية السياسية بشكل عام - بعقلية انتخابات اتحادات طلبة أو جمعيات نفع عام !

٣. المنافس:

قبل مشاهدة وتحليل نتائج اللجان التفصيلية، من الصعب القول بأن "بلوكات" تحالفية صبت أصواتها على الدكتور حسن جوهر الذي لعله كان المنافس الأبرز للتحالف في هذه الانتخابات. بل برأيي أن ما جعل الدكتور حسن منافسا للتحالف هم "أقطاب" في التحالف نفسه. فمنهم من بقصد أو دونه حاول أن "يضرب" الدكتور حسن، ولأن العاطفة دائما ما تغلب العقل - كما حدث في ٢٠١٢ - فقد ارتدت الضربة عكسية على وضع الدكتور حسن، فلا أستبعد أنه بذلك جذب أصواتا لم تكن محسوبة عليه من باب التعاطف، وقد يكون جزءا لا بأس منها كان محسوبا على التحالف بالأساس. صحيح أن موقف الدكتور حسن من قضايا مثل التأبين وخلية العبدلي أقل ما يقال عنه أنه موقف متخاذل وسلبي، لكن علينا أن نقر بأنه تعرض لهجمة شرسة من بعض الأقطاب التحالفية التي ساهمت بشكل أو بآخر إما "باكتساح" الدكتور حسن أو تراجع السيد عدنان أو كليهما، كرد فعل "غير محسوب". 


*الدائرة الثالثة:*

تراجع الدكتور خليل أبل بدأ منذ الانتخابات الماضية في ٢٠١٦ حيث كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط آنذاك. صحيح أن مجموع أصواته ظل كما هو في ٢٠٢٠، لكن المفارقة أنه كما فاز بفارق ٤٠٠ صوت في ٢٠١٦، فقد خسر بذات الفارق في هذه الانتخابات، وهي كنسبة قد تكون طبيعية في موازين الانتخابات. وعليه فكما أن التحالف في الدائرة الأولى فشل في توسيع قاعدته، فقد انسحب هذا الفشل على الدائرة الثالثة كذلك. وإذا ما أردنا أن نقف على أسباب خسارة الدكتور فلن نجدها تختلف كثيرا عما أوردناه فيما سبق عموما مع اختلاف التفاصيل. فالمكتب السياسي هو المسؤول الأول والأخير عن أي نجاح أو خسارة، بل المسؤولية تكون مضاعفة في حال الخسارة. ففريق كرة القدم الذي يلعب له نجوم ويفشل في تحقيق أهدافه، فالفشل غالبا يتحمله المدرب والإدارة. كما أن ضعف الدور الإعلامي لعب دورا برأيي، وإن كانت إعلامية الدكتور أفضل من إعلامية السيد بشكل عام خلال سنوات عمر المجلس. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مزاج الناخب الكويتي عموما يتأثر بشكل أكبر بالتواصل المباشر منه بالتواصل الإلكتروني، لذلك فإن تداعيات جائحة كورونا وغياب زيارات الدواوين والمقرات الانتخابية لا شك أنها ألقت بظلالها على النتائج. أخيرا فإن المرشح المنافس للدكتور خليل كان الدكتور هشام الصالح والذي حصل على زيادة حوالي ١٨٠٠ صوت عما حققه في ٢٠١٦. ولا يمكن القول بأن فوز هشام تسبب بخسارة خليل (أو العكس) نظرا لأن أصوات الأخير كانت ثابتة، لكن يمكن أن نستنتج أن الصالح كان أقرب لمزاج ناخبي الدائرة منه لأبل، وهو ما يحتاج إلى تحليل منفرد.


وقبل أن أنتقل للدائرة الخامسة، لا بد من الإشارة إلى أن خصوم التحالف وحملات التشويه والزيادات غير الطبيعية في الدوائر وغيرها من الأسباب كان لها دور في تراجع السيد عدنان وسقوط الدكتور خليل بكل تأكيد. لكن هذا لا يعفي المكتب السياسي أولا من المسؤولية، فهو من يقع عليه تحمل الثقل الأكبر لهذه النتائج المتواضعة. 


*الدائرة الخامسة:*

لن أطيل الحديث حول خسارة السيد هاني شمس لسباق انتخابات هذه الدائرة لأنها بشكل عام تعد نجاحا بالقياس إلى عدد الأصوات التي حصل عليها بمعدل حوالي ٩٠٠ صوت زيادة عن ٢٠١٦. صحيح أن الزيادة كانت دون الطموح، خصوصا اذا ما أخذنا بالاعتبار عدم مشاركة النائب السابق عبدالله التميمي الذي حصد رقما مقاربا لشمس في ٢٠١٦. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على استمرار عجز التيار عن استقطاب السواد الأعظم من صوت المكوّن الشيعي في الدائرة، ناهيك عن الأصوات السنية الحضرية في دائرة أغلقت على المكون القبلي. في حسابات الانتخابات فالدائرة الخامسة لا تتحمل إلا نائب واحد من الطائفة الشيعية، ولذا فإن كان التحالف حريص على إيصال أحد أبناء هذا المكون فهو بحاجة إلى عمل كبير جدا وقرارات شجاعة، وإلا فإن خيبات الأمل ستتكرر.


*خلاصة القول*

نتائج انتخابات ٢٠٢٠ رسائل واضحة بأنه على التحالف الإسلامي الوطني أن يعيد حساباته بدل المرة ألفا، وأن يبدأ ذلك اليوم وليس قبيل موسم الانتخابات. وقبل التفكير بماهية وأسماء المرشحين للانتخابات القادمة، بب قبل البدء بتحليل نتائج الانتخابات الحالية علميا، فالخطوة الأولى تتمثل بإعادة هيكلة المكتب السياسي برمته، فإن كان هناك ثقة ب"اللاعبين"، ف"الإدارة" أثبتت عجزها عن مواكبة متطلبات المرحلة ولا بد لها من الرحيل، والمهم أن يصحب تغيير الأسماء تغيير في النهج كذلك، وما لم يحدث ذلك قريبا جدا، فالتحالف سينتهي "سياسيا" حين يعلن السيد عدنان تحديدا .. "اعتزاله".

عبدالله تقي

26‏/10‏/2020

لماذا ‏أقاطع؟

تمر علينا في مثل هذه الأيام الذكرى الثامنة لصدور ما يعرف باسم (مرسوم الصوت الواحد)، وهو المرسوم الذي أحدث تغييرا جذريا في العلاقة البرلمانية-الحكومية من علاقة تصادمية أشبه بزوجين "على ويه طلاق"، إلى علاقة ناعمة لاثنين "توهم خاطبين".

 برزت على الساحة آنذاك حركة مقاطعة تبنتها أطراف المعارضة تحت مسمى (قاطع). كان الهدف المعلن من تلك الحركة هو إسقاط مجلس الأمة "شعبيا" لما اعتبرته (انقلابا على الدستور) و (ترسيخا للحكم الفردي) وغيرها من الشعارات التي ظهرت آنذاك.
 غير أن السلطة لم تعر لكل تلك الأصوات بالا، بل مضت نحو إنجاح العملية الانتخابية بدءا من مجلس ديسمبر ٢٠١٢ بنسبة مشاركة قاربت ال ٤٠%، وصولا إلى ثني شرائح كبيرة من المقاطعين عن موقفهم المناوئ لانتخابات مجلس "بوصوت" بعد إبطال مجلس ٢٠١٢ الثاني وتحصين مرسوم الصوت الواحد دستوريا في يونيو ٢٠١٣، انتهاءا باستمالة الغالبية العظمى من المعارضين للصوت الواحد للمشاركة في انتخابات ٢٠١٦ الأخيرة، حتى أنه لم يبق من المقاطعين إلا النزر اليسير، مكرسة بذلك الواقع السياسي الذي جاءت به بمرسوم ضرورة دستوري.


مختصر ما سبق هو أن "المقاطعة" وخلال السنوات الثمان الماضية .. فشلت. فشلت في إسقاط مجلس الأمة فعليا وشعبيا، وفشلت في ثني السلطة عن موقفها من الصوت الواحد، بل حتى أنها فشلت في إقناع المقاطعين أنفسهم - إلا القلة القليلة منهم - بالثبات على مبدأ المقاطعة.

لكن على الرغم من الفشل الذي طال المقاطعة، إلا أن دعوات أصحابها ما زالت تلق نوعا من الرواج، وإن كانت دعوات خجولة. بالإمكان أن نقول بأن المقاطعين لانتخابات ٢٠٢٠ المقبلة على قسمين: الأول هم أولئك الذين يرون أن أسباب المقاطعة ما زالت قائمة منذ ٢٠١٢، فهم يرفضون المشاركة في انتخابات جاءت بها السلطة على حساب إرادة الشعب، لا سيما وأن السلطة - كما يرون - قادرة على تكرار هذا السيناريو متى ما شاءت. أما القسم الثاني فدافعهم الأساسي هو اليأس من جدوى وجود المجلس الذي تحول بنظرهم إلى "أداة" للسلطة، وأنه مهما تغير شكل النظام الانتخابي، ومهما تواجد نوابٌ وطنيون مخلصون، فوجودهم في مجلس تسيطر عليه الحكومة لن يقدم ولن يؤخر. العامل المشترك بين المقاطعين "المبدأيين" و "اليائسين" هو اعتقادهم بأن مشاركتهم في الانتخابات تضفي "الشرعية" على ما تقوم به السلطة. فكل أشكال الفساد التي ترعاها السلطة - كما يرون - تتم بمباركة "شرعية شعبية". وإن كانت المقاطعة قد فشلت في كبح فساد السلطة، فالمشاركة - كما يرون هم دائما - قد ساهمت في تكريس هذا الفساد.

من هنا نتساءل: ماذا بعد، وإلى متى المقاطعة؟ وكيف سينجح المقاطعون في تقويم مسار السلطة؟ فالمُشارك في الانتخابات - وهنا نتحدث حصرا عن ذوي الوعي - يهدف لإيصال نائب "وطني شريف".فبرأيهم أن صوتا واحدا بين خمسين خيرٌ من لا شيء، وعشرة أصوات خيرٌ من صوت واحد وهكذا، عاملين بمبدأ (ما لا يُدرك كُله لا يترك جُله). فالواقع يقول بأن السلطة ماضية في نهجها، والمقاطعة التي كانت في أوج قوتها قبل ٧ أو ٨ أعوام عجزت عن الوقوف أمام السلطة، فكيف بها اليوم وهي أضعف بمراحل؟ بل إن المقاطعة الشعبية العارمة في أواخر الثمانينيات لم تثني السلطة عن استمرار نهجها وتعليقها للدستور ثم الاتيان بالمجلس الوطني عام ١٩٩٠ الذي وصلت نسبة المشاركة فيه إلى أكثر من ٦٠%، ولولا الغزو الغاشم الذي جاء بعد حوالي شهر واحد من تشكيل ذلك المجلس غير الدستوري لاستمر المجلس الوطني لعله إلى ما شاء الله.


خلاصة الأمر أن السلطة ماضية في طريقها، شاء من شاء وأبى من أبى. فالسلطة التي انقلبت على الدستور مرتين في السابق كانت تجد من يدعمها في كل مرة، فكيف بها وهي تعمل وفق الدستور؟ ومع استمرار غياب مشروع إصلاحي واقعي - وهنا نضع عشر خطوط حمر تحت كلمة "واقعي" - يطرحه المقاطعون ويعملون لأجله وبالتنسيق مع كافة أطياف المجتمع بمن فيهم المشاركين لتغيير الواقع السياسي - الذي هو بحاجة ماسة للتغيير دون شك - يبقى السؤال المستحق: "لماذا أقاطع؟" 

22‏/5‏/2020

الأقصى ‏قبلة ‏اليهود

قبل حوالي عام نشرت ممثلة خليجية صورة لها في المسجد الأقصى بقلب القدس ذيًلتها بتعليق جاء فيه "قبلة المسلمين وقبلة اليهود".

تلك الزيارة "التطبيعية" لم تعد أمرا مستغربا، فالإعلام الصهيوني وعبر أذرعه العربية لا يألو جهدا عن ترسيخ فكرة "يهودية" القدس، وقد كانت الشاشة الخليجية مؤخرا عبر مسلسلات وبرامج مختلفلة سلاحا تطبيعيا بامتياز للتطبيع وتكريس أكذوبة "أحقية" اليهود بفلسطين.

التسابق لاحتضان الصهاينة على مختلف المستويات، سياسيا واقتصاديا ورياضيا وآخرها فنيا، ليس وليد اليوم. فحين يغيب تشريد وإبادة الفلسطينيين عن أدبياتنا ومناهجنا وخطب الجمعة الأسبوعية، وتُنسى ذكريات النكبة والانتفاضة، وحين تُمحى صور "صبرا وشاتيلا" من كتبنا، وتحذف مشاهد الذعر على وجه "الدُرة" وأبيه من إعلامنا، حين يُغَيًبُ كل ذلك وغيره عن الوعي العربي والمسلم ويُكتفى بالإشارة إلى فلسطين كونها قضية "تاريخية" فقط، فلا عجب إن صار التطبيع واقعا!

لكن هيهات، فلو لم يكن الأقصى قضية إسلامية، ولو لم تكن حدود  فلسطين وتاريخها قضية عربية، بل لو لم تكن القدس بأديانها قضية مقدسة، فيكفي أن تكون مظلوميتها وما يجري على أهلها منذ قرابة القرن سببا كافيا لجعلها القضية المركزية لكل ناصر حق، كيف وقد جمعت فلسطين كل تلك الأسباب فيها؟

4‏/2‏/2020

وفد الكويت الوقح

(في أوقح من هيك؟) سؤالٌ عنونت به مقالا نُشر في ٢٠١٣ حول قضية البدون. كنتُ أحسبُ أني وجدت الجواب عليه بعد ٤ سنوات من نشره، فكتبت مقالا أجيب على ذلك السؤال من خلاله تحت عنوان (نعم .. في أوقح من هيك). لكني اليوم أرى نفسي مضطرا لتقديم الاعتذار عن تلك المقالة التي نشرتها في ٢٠١٧ ولمن عنيته بها. فلقد مثل وفد الكويت أمام مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بكلمته أقصى حدود الوقاحة التي من الممكن أن أتخيلها.

كيف لا، وقد كال الوفد برئاسة الوزيرة مريم العقيل بكلمته أمام وفود العالم من الأكاذيب ما تنوء بحمله الجبال. فعندما يخرج الوفد بلا حياء ليقول للعالم ما نصه "لا يوجد في دولة الكويت ما يسمى بمصطلح عديمي الجنسية أو البدون أو غير محددي الجنسية أو غيرها من المسميات، حيث أن المقصود بعديمي الجنسية وفقا للاتفاقية عام 1954 هو الشخص الذي لا يتمتع بأي جنسية لأسباب منها: فقد الجنسية الأصلية ولم يكتسب جنسية أخرى، أو من يولد ولم يحصل على جنسية لعدم توافر اشتراطات حق الدم والإقليم بحقه، وذلك لا ينطبق على المقيمين بصورة غير قانونية، الذين دخلوا الكويت بصورة غير مشروعة وأخفوا مستنداتهم الأصلية بغية الاستقرار في الكويت والتمتع بكافة الخدمات والحصول على الجنسية الكويتية." (انتهى النص).

هل من داع لأكمل إذاً لتبيان مدى الوقاحة التي ظهر بها هذا الوفد؟ هل أَخبرَ الوفدُ الكاذب بقية الوفود أن من هؤلاء الذين وصفهم بأنهم "دخلوا بصورة غير مشروعة" من كان مؤتمنا على أمن البلاد والدفاع عنها عندما التحقوا بالجيش الكويتي وقدموا دماءهم دفاعا عنها؟ هل أخبروا مجلس حقوق الإنسان أنه في عام ٢٠١٤ صدر أمر سامي عن سمو الأمير - حفظه الله - بمنح الجنسية لرجال الحماية المرافقين للأمير الرحل الشيخ جابر الأحمد أثناء محاولة اغتياله في ١٩٨٥، والذين اتهمهم الوفد الكاذب ضمنيا بأنهم "أخفوا مستنداتهم بغية التمتع بكافة الخدمات"؟ أترى يقبل عقل ومنطق أن تقوم "حكومة" محترمة بإسداء مهمة حماية البلد وأهم رموزها لمن دخلها بصورة غير مشروعة وكذب ودلس وأخفى مستنداته؟ "والله عيب" !!

لقد اعتدنا كذب الحكومات وتقاريرها العارية عن الصحة بشأن الوضع الإنساني للبدون، لكن أن يصل الأمر بالحكومة لأن تكذب على مرأى ومسمع العالم أجمع، بمختلف أعراقه ولغاته، وتقول بأنه لا يوجد في الكويت "بدون" .. فتلك طامة كبرى تستدعي سقوط السماء على رؤوسنا.