30‏/10‏/2014

الحسين .. مشروع وطن

الحسين .. مشروع وطن

"يوم عاشوراء، الذي يمر علينا، نحن السنّة، ويذهب من دون أن يستذكر أكثرنا، ويا للعجب، أن ذاكرة هذا اليوم تحتفظ بواحدة من أعظم وأروع ملاحم التاريخ الاسلامي"
بهذه الكلمات عاتب الكاتب - ذو الخلفية السلفية - الدكتور ساجد العبدلي أبناء المذهب السني في مقال كتبه عام 2006 معبرا عن استيائه لعدم إظهارهم الاهتمام الحقيقي بالقيمة العظيمة لواقعة الطف حيث سطر فيها سيد الشهداء أبو عبدالله الحسين عليه السلام وثلة من أهله وأصحابه أروع ملاحم الصمود في كيفية مواجهة الاستكبار والبذل في سبيل إعلاء الحق.

نعم مؤسف أن نرى إهمال السواد الأعظم من السنة لقضية عاشوراء وهو إمام للجميع، قام مجاهدا أو قعد مسالما، كما في إشارة جده النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بل مما يدعو للأسف أكثر أن نرى غير المسلمين يعظمون قدر سيد شباب أهل الجنة ويتخذون من فاجعته بحورا لشعرهم وشعارات لثوراتهم، بينما يتخذ بعض أبناء أمة محمد يوم عاشوراء عيد فرح وسرور. ترى على من تقع مسؤولية هذا الإهمال الكبير ولماذا بات اسم الحسين مرتبطا بالمسلمين"الشيعة" فقط؟ لا أريد الدخول في عمق العوامل التي أدت إلى هجر الحسين لدى كثير من المسلمين، لكن أود تسليط الضوء على هذه القضية من واقعنا الكويتي.
أليس من المعيب ألا تولي الدولة بمؤسساتها المختلفة لا سيما التربوية والثقافية والإعلامية اهتماما بحجم هذه القضية؟ فواقعة الطف التي تعد أفظع فجيعة في التاريخ الإسلامي بل والبشري أيضا غائبة تماما عن مناهج وفعاليات وزارة التربية والمؤسسات التابعة لها والتي صارت علاقتها بيوم عاشوراء مجرد "تأجيل امتحانات"، وأجزم أن الوزارة بإهمالها لهذه الواقعة وبيان حقائقها الثابتة تاريخيا قد ساهمت بشكل أو آخر لما وصلنا إليه من حالة الاحتقان الطائفي الذي يمر به المجتمع. ذات الأمر ينطبق على المؤسسات الإعلامية التي نراها تصرف وببذخ على أعمال بعضها أقل ما يمكن وصفها به أنها "هابطة"، في حين ثورة عظيمة كثورة سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس لها ذكر في إعلامنا المحلي - والحكومي تحديدا - إلا ما رحم ربي. هذا عدا عن الغياب الكامل لوزارة الأوقاف في إحياء ذكر الحسين عليه السلام واستغلال هذه المناسبة لتكريس الوحدة الإسلامية والوطنية، بل على النقيض نجدها ترعى فعاليات رسمية لشخصيات لها رأي صريح بتحقير بل وتكفير فئات من المجتمع.

ولا يقع اللوم فقط على أبناء المذاهب السنية في هذا الإنصراف عن الإمام الحسين، بل من الشيعة أيضا من يتحمل جزء من هذا اللوم. ففي وقت يفترض أن يكون فيه المنبر الحسيني وسيلة لوحدة المسلمين، تخرج بعض الأصوات النشاز بطرح لا عقلاني أو استفزازي أحيانا - بقصد أو دونه - ما يعكر صفو الالتفات حول هذا المنبر الشامخ لا سيما مع وجود أبواق الفتنة التي تتربص بأي كلمة أو زلة لاستغلالها بإشعال نار الطائفية.

"لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبر، ولدعونا الناس إلى المسيحية بإسم الحسين" هذا ما قاله المسيحي أنطوان بارا في حق الحسين، واﻷجدر بنا نحن المسلمون أن نلتفت حول راية الحسين عليه السلام، تلك الراية التي جمعت تحت ظلها من كان أموي الهوى ك(الحر الرياحي) ومن كان نصراني الديانة ك(وهب الكلبي) بعدما رأو تجلي الحق في الحسين، جمع رجالا ونساء، شيبا وشبانا، سادة ومواليا، بيضا وسودا، فكانت عاشوراء بحق ملحمة إنسانية خالدة، وكان الحسين حقا .. وطنا للجميع.

4‏/10‏/2014

المضحك المبكي، وأحلام الفتى الهندي!

هل من الغريب أن يحلم الكويتي بأن يكون هنديا؟ ولم لا؟ فلو كنت هنديا اليوم لصار تحقيق حلم طفولتي بأن أكون "عالم فضاء" أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال، ولعلي كنت في هذا الوقت هناك في بنجالاور، المقر الرئيسي لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية، أتابع عن كثب المركبة الفضائية (مانجالايان) وهي تدخل مدار كوكب المريخ بعد رحلة دامت أكثر من 300 يوم، لتكون المنظمة الهندية بذلك رابع وكالة فضاء تغزو مدار الكوكب اﻷحمر بعد نظيراتها السوفيتية واﻷمريكية واﻷوربية محققة بذلك إنجازا آسيويا غير مسبوق.

لكن باعتباري فتى كويتي، فلست بصدد البحث عن أسباب نجاح الهند التي يعيش أكثر من 20% - كأفضل تقدير - من سكانها تحت خط الفقر في تحقيق هذا الانجاز، فما يهمني بالمقام اﻷول هو البحث في أسباب فشلنا في الوصول لما وصل إليه "الهنود". فعلاقة الكويت الدولة بكل ما يتعلق بالبحث العلمي لا تتعدى شعارات وكلمات تعلمناها في مدارس التعليم الحكومي عن اهتمام الدولة بهذا الجانب من خلال تأسيس معهد للأبحاث ومركز التقدم العلمي وجامعة "يتيمة" وهيئة التعليم التطبيقي التي باتت كلياتها أشبه ب"ملحق" للجامعة. فالواقع يقول بأن هذه المؤسسات العلمية مجتمعة تستفيد بما نسبته تساوي 0.1% أو أقل من إجمالي الناتج المحلي للدولة حسب مصادر حكومية وعالمية، وهي نسبة تعد من أدنى النسب على المستوى العالمي حين يتعلق اﻷمر باﻷبحاث. والمضحك المبكي أن ما تنفقه الكويت على التسليح العسكري يتجاوز ال 3% من إجمالي الناتج المحلي، أي بواقع 30 مرة أكثر مما تصرفه على البحث العلمي، وهي نسبة تضع الكويت في مصاف الدول اﻷكثر إنفاقا على السلاح - قياسا للناتج المحلي - متفوقة على دول كألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وحتى الهند، حسب تقرير البنك الدولي.
وإن كان اﻷمر يقتصر على شح الإنفاق على برامج البحوث العلمية لهان، لكن المسألة أكبر من ذلك. فسياسة الحكومات المتعاقبة تدخلت بوجهها القبيح في عمق المؤسسات العلمية والتعليمية، فصارت قيادة هذه المؤسسات تعطى على أساس الانتماء الفئوي لا القيمة العلمية، وصارت سياستها احتضان بل وتشجيع أصحاب الشهادات "الكرتونية" في الوصول إلى أعلى هرم المؤسسة العلمية، فلا غرابة أن يضيع البحث العلمي طريقه إلى هذا البلد إذا !

هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فكيف لنا أن نتوقع انتاجا علميا - أو حتى غير علمي - و المواطن الكويتي يعتبر العمل "طفارته" ؟ "يعطل" قبل العطلة، ويعطل بعد العطلة، وان حضر "دوامه" حضر متأخرا بساعة ويغادر قبل انتهائه بأخرى، وما بين ذلك يتفرغ لانتاج "تغريدات تويترية" أو "لايكات انستغرامية" على أنغام قرقعة فناجين القهوة و "استكانات الشاي" بانتظار راعي الفطاير، ذاك الفتى الهندي الذي أتى إلى الكويت "أرض اﻷحلام" عله يعود يوما إلى بلده مؤمنا لعياله ما يحقق به أحلامهم!

مفارقات مضحكة مبكية بين أحلام الفتى الكويتي الطامح لغزو الفضاء والفتى الهندي الطامح لتأمين لقمة عيشه، لكن المضحك حقا في ذلك كله بأن تكلفة برنامج المريخ الهندي قدرت ب 75 مليون دولار أي أقل من نصف تكلفة "استاد جابر" حسب مصادر رسمية!!
أما المبكي حقا في قصتنا هذه أن الهند غزت الفضاء حين تعايش بسلام في ظل دولة مدنية من يقدس البقرة مع من يذبحها، بينما في بلادنا، بلاد الإسلام، يقدم الإنسان "أضحية" العيد بدل البقر "قربة إلى الله تعالى" !!!

30‏/9‏/2014

أصعب اﻷسئلة .. !

قبل عام واجهتني زميلتي المصرية الدكتورة فاطمة بأحد أصعب اﻷسئلة التي من الممكن أن يواجهها أي مواطن كويتي. ذكرت لي أن أخاها سيأتي من مصر ليقضي عطلة العيد معها هنا في الكويت، وباعتبار أني "ابن البلد" فلم تجد أفضل مني لتسأله السؤال التالي "نروح فين في العيد ؟"

أطرقت برأسي وقد ارتسمت على وجهي ملامح "الفشلة"، فما عساي أن أجيب الدكتورة عن معالم بلدي السياحية، فكل ما هو "سياحي" في الكويت لا يتعدى أن يكون "مولا تجاريا" باختلاف المسميات واﻷشكال والمناطق. ترى هل أدلها على "أبراج الكويت" التي بات منظرها يرثى له لا سيما وقد تم اقفالها أمام الزوار؟ أم أرشدها ل(ديزني لاند)الكويت - المدينة الترفيهية - حيث "الجندول الخربان" ؟ أم لعلي أنصحها بزيارة حديقة الحيوان كي تتعرف كيف يمكن أن يكون الحيوان "تعيسا" في حياته" ؟ أم لربما نصحتها برحلة بحرية لرؤية مدينة اﻷشباح في أحلى الجزر "فيلكا" ؟ لا لا وجدتها .. سأقول لها أن تزور متحف الكويت الوطني ! لحظة .. ماذا ستشاهد هناك ؟ معلش بلاها ! طيب البحر .. لكن أي بحر؟ ذاك الذي استولى على شواطئه الشيوخ والتجار ومن "يعز عليهم" فصارو يأخذون المتر بدينار ويأجرونه على "خلق الله" بعشرة ؟ أم و أم و أم .. !

القطاع السياحي في الكويت حاله كحال معظم القطاعات اﻷخرى أصابه مرض عضال منذ أكثر من 30 عاما وما بعض المشاريع التي تخرج هنا أو هناك إلا مجرد مسكنات للألم المزمن الذي أصاب هذا القطاع. ولا أبالغ إن قلت أن إهمال هذا القطاع الحيوي أثر سلبا بشكل أو بآخر حتى على المستوى الاجتماعي والعلاقات اﻷسرية. فالكويتي اليوم أصبح يتحين العطلة تلو اﻷخرى كي "يهج من الديرة" بحجة أنه "نقعد وين نروح؟"، اﻷمر الذي أفقد عطل المناسبات الوطنية والدينية نكهتها الخاصة. فآلاف الكويتين قضوا عطلة عيد الفطر بعيدا عن آبائهم وأمهاتهم ومثلهم سيفعل في عطلة عيد اﻷضحى القادم، بل بات المواطن يفضل الاحتفال بالعيد الوطني وعيد التحرير بعيدا عن الوطن لدرجة أن مظاهر الاحتفال بالعيد الوطني اﻷخير وصلت لمدينة دبي جذبا للسياح الكويتين. هذا ناهيك عن المسرحيات الهزلية التي قام بها بعض أبناء وطننا الحبيب في البلدان اﻷوربية حتى صارت بعض الفنادق تضع إرشادات خاصة للسياح الخليجين عن كيفية التعامل "الحضاري" في مثل تلك اﻷماكن !! أي وا فشلتاه !

كل ذلك والحكومة لا تملك رؤية واضحة جدية للنهوض بهذا القطاع الحيوي الذي من شأنه أن يكون رافدا رئيسيا للدخل القومي لو استثمر بشكل سليم، وما (دبي) عنا ببعيد. لكن مع اﻷسف وفي ظل عجز مجلس اﻷمة عن مواجهة ملفات هذا القطاع التي لو فتحت لأضرت بأصحاب النفوذ، فسيبقى الوضع كما هو عليه وشيئا فشيئا سنستبدل كلمات اﻷغنية الشهيرة (بلادكم حلوة بس الوطن ماله مثيل) ب (بلادكم حلوة، وليتها تكون لنا بديل !)

19‏/4‏/2014

"دود خل" ائتلاف المعارضة

ما شهدته الكويت خلال السنوات الماضية من حراك سياسي بدءا بتعديل الدوائر الانتخابية عام 2006 وصولا إلى أحداث اعتصامات ساحة الإرادة واقتحام مجلس الأمة والتي أفرزت استقالة رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد في نوفمبر 2011 وما أعقب ذلك من تعديل على نظام التصويت فيما عرف بقضية "الصوت الواحد" أواخر عام 2012، كل ذلك يستدعينا للوقوف مليا على مشروع ما بات يعرف ب "ائتلاف المعارضة" المتعلق بإقامة نظام ديمقراطي برلماني. فالحاجة إلى التعديل على النظام القائم في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة باتت من المسلمات المتفق عليه بين مختلف أطياف الشعب، بل إن الإيمان بضرورة التعديل على الدستور هو من صلب العمل به، يبقى الخلاف على الآليات والتوقيت والظروف المحيطة بذلك كله.

جوهر التعديلات التي تبنتها المعارضة على أكثر من 30 مادة من الدستور الكويتي القائم تهدف بالمجمل العام نحو الوصول لنظام الحكومة المنتخبة وتقنين صلاحيات رئيس الدولة، وهو ليس أمرا جديدا ولا مطلبا حديثا يتعلق بالمعارضة الحالية لكن هذه المطالب كانت غالبا ما تلقى تهميشا من الساسة لحجج مختلفة إبان طرحها. بل بالعودة إلى الماضي القريب لوجدنا أن المطالبة بالحكومة المنتخبة كان ضمن أدبيات المعارضة حين احتلت أغلبية مجلس فبراير 2012 (المبطل الأول) غير أنها مع توفر هذه الأغلبية المريحة لها انصرفت بعيدا عن تلك الرؤية لظنها بأنها استحكمت على مقدرات السلطة التشريعية وأن الشعب أصبح وراءها ولن يرضى عنها بديلا، فشغلت نفسها بأمور من قبيل قانون إعدام المسيء للذات الإلهية إرضاء لأغلبية "الأغلبية" حتى جاءت صفعة المحكمة الدستورية بإبطال أمانيهم. وعلى ذكر قانون إعدام المسيء فالملفت في مشروع المعارضة الجديد أنها لم تأت على ذكر اي تعديل على المادة الثانية والتي كانت دائما مطلبا أساسيا لدى الأغلبية الإسلامية منها، وهو ما فسره بعض المراقبون بمحاولة يائسة لاستمالة الليبراليين نحو هذا المشروع الإصلاحي، بل فشلوا حتى بإقناع التيار التقدمي، أكثر تيارات المعارضة "لبررة"، بالتوقيع على وثيقة المشروع.

وبالعودة إلى نصوص المشروع المطروح لوجدنا أن أعضاء الائتلاف حملوا في مقدمة ورقتهم الإصلاحية ما وصلت إليه الكويت من حالتى الفساد المالي والإداري إلى نظام الحكم القائم الذي خلق "أزمة سياسية متمثلة بتمدد صلاحيات الأسرة على حساب صلاحيات الشعب"، لكنها - أي المعارضة الحالية - أغفلت أن طيفا كبيرا ممن يشكل ائتلافها كان جزءا لا يتجزأ من منظومة هذه الأزمة وحليفا للسلطة في أحلك أيام الفساد. وحين قام الائتلاف بسرد تفصيلي لعدد من مظاهر الفساد من قبيل أزمة السكن والتعليم والبطالة والبدون حملوا اللوم كل اللوم على السلطة وكأنهم لم يكونوا جزءا مما وصل بنا الحال من فساد إبان اعتلاء رموزهم لكراسي البرلمان. ثم وبكل جسارة صوبوا سهامهم نحو السلطة متهينها بأنها سبب تمزيق أواصر النسيج الاجتماعي - ولعلي لا اختلف كثيرا مع ذلك - متناسين أن أفواه أعضاء من هذا الائتلاف كانت وما تزال تفوح منها رائحة الطائفية المقيتة، بل أن أيدي بعضهم ملطخة بدماء اﻷبرياء من خلال دعمهم لمظاهر التسلح خارج الكويت. الأنكى من ذلك كله أن ائتلاف المعارضة في مقدمة مشروعه طعن بشكل واضح بنزاهة المحكمة الدستورية حين لمح لكونها أداة بيد السلطة حين أبطلت مجلس فبراير 2012، وهذه اللهجة من الخطاب تستدعي الوجل من هذه المعارضة، فإما أن تكون معي وإلا فأنت فاسد؟! وهذا الأمر يظهر بوضوح من خلال خطاب رموزهم بوصف أعضاء البرلمان الحالي ب"الأرجوزات" ع"الطالعة والنازلة". فأي إصلاح تنشدونه يا سادة وكيف لنا أن نستأمنكم على مستقبل هذا الوطن وأنتم على ما أنتم عليه من التناقض والإقصاء والفجور بالخصومة؟

خلاصة القول، طرح المعارضة لمشروعها لن يعدو عن "كلام في كلام" طالما أن الواقع العملي يتمثل بممارسات استفزازية واقصائية، ولو سمع الشاعر الكبير أحمد مطر أن هذه المعارضة هي من سيقود مسيرة الإصلاح في البلد لقال في قصيدته (دود الخل): "معارضتنا مجهولة معلومة .. ليس لها معان مفهومة .. تتبنى أغنية البلابل .. لكنها تتغنى بالبومة .. تشحذ سيف الظالم صبحا .. وتولول ليلا مظلومة"

29‏/3‏/2014

يوم الطبيب اﻷمريكي

يوم الطبيب "الأمريكي"

"وعليه، أعلن أنا جورج بوش، رئيس الولايات المتحدة اﻷمريكية، الثلاثين من مارس 1991 يوما وطنيا للأطباء، وأدعو جميع اﻷمريكيين لإحياء هذا اليوم بالبرامج والفعاليات المناسبة"
بهذه الكلمات ختم بوش اﻷب إعلان (يوم الطبيب الوطني) بعد مصادقة مجلس الشيوخ اﻷمريكي على تخصيصه كيوم للأطباء الأمريكيين تقديرا لجهودهم في خدمة المجتمع ورفع مكانته العلمية، واعترافا بما يدينه المجتمع للأطباء من جهد في محاربة المرض ورعاية المرضى. ومنذ ذلك الوقت أصبح الاحتفال بهذا اليوم "سنة" تقوم خلالها الهيئات الطبية وغيرها من المؤسسات المدنية بالاحتفال كرسالة عرفان للأطباء.
أما عن سبب اختيار الثلاثين من مارس تحديدا فالآراء مختلفة بهذا الصدد وأترك للقارئ الكريم فرصة الاطلاع عليها، لكن ما توصلت إليه بأنه ليس يوما "عالميا" للطبيب، فهناك عدد من الدول تحتفل به في غير هذا التاريخ منها على سبيل المثال لا الحصر: الهند، كوبا، إيران، العراق، مصر وغيرها. ففي إيران والعراق مثلا خصص يوم 23 أغسطس يوما للأطباء تزامنا مع ذكرى ميلاد العالم والطبيب المسلم (ابن سينا)، وفي مصر يحي الأطباء يومهم في ذكرى تأسيس مدرسة الطب الحديثة الموافق ل18 مارس كأول مدرسة للطب في الشرق اﻷوسط، وهكذا تختلف اﻷمم بتحديد أيامها بما يتوافق مع ثقافتها وتاريخها.
أما في الكويت فيبدو أننا عاجزون حتى عن قراءة تاريخنا والخروج عن التقليد اﻷعمى للغرب وكأن تاريخ مهنة الطب في الكويت أو في العالم العربي والإسلامي الذي ننتمي إليه تاريخ شحيح، فقد دعت الجمعية الطبية وللمرة اﻷولى منذ تأسيسها قبل اكثر من 40 عاما للاحتفال بيوم الأطباء بتاريخ 30 مارس، وهو وان كان أمرا حسنا، فلا أجد سببا لاختيار هذا اليوم بالذات إلا لكون "الأمريكان هم يحتفلون فيه". وليس هذا الإهمال لجهود الأطباء وتاريخ الطب غريبا على الجمعية الطبية - الممثل الرسمي للأطباء في الكويت - فقد سبق وأن أعطت الشيخ أحمد الفهد منصب (الرئيس الفخري) لها وهو ،مع كامل التقدير لشخصه الكريم ودون انتقاص لجهوده، فعلاقته بالطب لا تعدو عن توليه لحقيبة وزارة الصحة ب"الوكالة" في فترة سابقة، فأين تقدير الجمعية لتاريخ أبناء المهنة الحقيقيين ممن أخلص لها على مدى عقود مضت؟

هي دعوة لتخصيص يوم حقيقي للأطباء يعكس الهوية الكويتية لمهنة الطب، يوم يستذكر فيه الطبيب واجباته ويطالب فيه بحقوقه ويبث فيه همومه. فها هي ذكرى (يوم الطبيب) تحل علينا ومازلنا نتعامل بنظام صحي عقيم فيه ما فيه من الرتابة والمحسوبية و"التطفيش" للكوادر المتميزة، حتى أصبح اﻷطباء يتسابقون على "النحشة" نحو القطاع الخاص بسبب العقلية الحجرية التي يدار بها النظام الصحي الحكومي وما يترتب عليها من آثار سلبية على مختلف اﻷصعدة. ترى ما عسنا ان نقول؟ ومن أين نبدأ؟ فالشق "عود"، لكن يبقى اﻷمل معقودا أن يصلح أطباء هذا الجيل ومن يأتي بعده ما أفسده دهر من سبقهم، وكل عام واﻷطباء بخير.

22‏/3‏/2014

منبع الكراهية

منبع الكراهية

من أكثر الوثائقيات التي شدتني مؤخرا حلقة (أثير الكراهية) من برنامج (عن قرب) تقديم الإعلامي نورالدين زورقي على قناة (BBC العربية)، حيث يكشف زورقي من خلال رحلته إلى العراق ومصر والكويت عن مكامن الإعلام الطائفي الذي تصدر المشهد في بلادنا العربية والإسلامية لا سيما بعد اندلاع ثورات ما يعرف بالربيع العربي.

ولعل أكثر اﻷمور خطورة ما ورد في تقرير زورقي من أن قناة (صفا) إنما تلقت تمويلا - ولربما ما تزال كذلك - من إحدى الشخصيات الكويتية. القناة التي تبث من مصر - لمن لا يعرفها - قناة طائفية بامتياز ولا يختلف على ذلك اثنان، بل حتى إن أحد المشايخ المعروفين بحدة طرحهم المذهبي اعترف بأنه هجر القناة لتماديها في التأجيج الطائفي كما أشار بنفسه في البرنامج. من هنا يحق لنا كمواطنين أن نتساءل، ما هي الخطوات التي اتخذتها أو ستتخذها الحكومة تجاه ما ورد من معلومات خطيرة في تقرير القناة البريطانية من دعم "كويتي" لقناة (صفا)؟ شخصيا لن أتفاجأ إن مر الأمر على حكومتنا الرشيدة "مرور السحاب" ولم تقم بأي تحقيق في اﻷمر، فقد اعتدنا خلال السنوات الثلاث اﻷخيرة على إهمال الحكومة لكل ماله صلة بدعم التطرف الديني. فها هي حملات "تجهيز الغزاة" الهادفة لإعداد مقاتلين في سوريا ما زالت تقام بقيادة رموز سياسية ودينية في وضح النهار دون أن تنبس الحكومة ببنت شفة. ولعل مثل هذه الحملات هي ما دفع وكيل وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية (ديفيد كوهين) في معرض تصريحه حول التحديات الجديدة لمكافحة تمويل الإرهاب بالقول أن الكويت دولة "متساهلة" في مواجهة جمع التبرعات التي لا يستبعد أن تصل إلى أيدي المتطرفين في سوريا، مشددا - أي كوهين - على أن "حليفتنا" الكويت بحاجة لبذل المزيد من الجهد لوقف "تدفق" الأموال ومنعها من الوصول لأولئك الإرهابيين.
الملفت في تصريح الوكيل اﻷمريكي أنه وصف تعيين نايف العجمي وزيرا للعدل واﻷوقاف في الحكومة الكويتية ب "خطوة بالاتجاه الخاطئ" لما عرف عن سعادة الوزير من دعمه للجهاد في سوريا، خصوصا أن وزارة اﻷوقاف بعد تعيين العجمي - والكلام لكوهين - فتحت أبواب المساجد التابعة لها أمام الهيئات والمنظمات الخيرية واللاربحية لجمع التبرعات للشعب السوري وهو ما قد يستغل بسهولة من قبل ممولي الإرهاب. ترى أين الرد العملي للحكومة على كل تلك التقارير التي تربط الكويت بأشكال الإرهاب والكراهية؟

على حكومتنا أن تخرج من الحالة "النعامية" من دفن رأسها في التراب وألا "تقص على روحها" بالقول أن الكويت بلد متسامح يدعو للمحبة والسلام والعيش المشترك بينما هناك مؤشرات واقعية ودلائل دامغة تفيد بعكس ذلك. وإن كان البعض يريد أن يصرف النظر عن نفسه وعن جمعياته وارتباطها بالإرهاب بالتشكيك بعقائد الآخرين ووصفها بمنابع للشر، فإننا ندعو الحكومة أن "تستأسد" وتقوم بدورها ومن خلال القوانين التي سنتها بمواجهة هؤلاء وتجفف (منبع الكراهية) في البلد كي لا تكون فتنة، ويكفي الله المؤمنين شر القتال.

22‏/2‏/2014

حكومة "الرفق بالحيوان"

كعادتي السنوية اصطحب أطفالي لزيارة حديقة الحيوان ليستمتعوا برؤيتها وإطعام بعضها في يوم عائلي خفيف بعيدا عن هموم عالم الإنسان. غير أن هذه المرة كانت مختلفة عن سابقاتها، فما إن وصلنا إلى أطراف منطقة العمرية حيث تقع الحديقة فإذا برائحة العود والبخور وعبير الزهور وأزكى أنواع العطور قد هبت مع الرياح القادمة من جهة الحديقة. ترجلنا عن السيارة وعلامات الاستغراب تعلو وجوه أطفالي، دخلنا من البوابة التي ازدانت بألوان الزينة، وأخذنا نتجول في الحديقة وكأننا ندخلها للمرة اﻷولى. فلم تعد ذاك المكان "اللي يفشل"، كانت الأقفاص أشبه بحدائق اﻷمراء والملوك والحيوانات تتمخطر وحولها أقراني من بني الإنسان يدلولنها ويلاعبونها، حتى اﻷسد تغير علينا، لم يعد ذاك اﻷسد الهزيل اﻷشبه بمدمن المخدرات، بل "بسم الله ما شاء الله" أصبح "متبت" وحوله عشرة "يمشطونه" وعشرة "يهمزونه" واللبؤات يتمايلن أمامه كل واحدة منهن تقول "الزود عندي".

هكذا صور لي الخيال زيارتي القادمة إلى حديقة الحيوان بعد قرائتي لخبر إحالة حكومتنا الرشيدة قانون (الرفق بالحيوان) الجديد إلى مجلس اﻷمة. القانون الذي نص في مختلف مواده على ضرورة توفير المأوى الآمن والغذاء الملائم ووسيلة النقل السليمة فضلا عن الخدمات الصحية الخاصة بالحيوانات، ومعاقبة من يخالف نصوص هذا القانون بغرامة تصل إلى الألف دينار أو الحبس لمدة سنة. نعم، من الضروري في أي بلد متحضر محكوم بنظام المؤسسات - فضلا عن كونه بلدا مسلما - ألا يغفل عن أهمية تنظيم القوانين الخاصة بالحيوانات وكنت وما زلت دائما من الداعمين لهكذا خطوات لما لذلك من أهمية على مختلف الأصعدة كالبيئة والتعليم والصحة والتجارة وغيرها، وأي إخلال بهكذا قوانين قد يترتب عليه آثار سلبية في المجالات السالفة الذكر. لكن يبدو أن حكومتنا الرشيدة قد أضاعت بوصلة أولوياتها، فبدل أن تجتهد ليلا ونهارا لإحالة قوانين جدية متعلقة بتحسين الوضع المعيشي "الكسيف" وتطوير النظام التعليمي "الفاشل"  ومعالجة الملف الصحي "المريض" و والنهوض بالمستوى الرياضي "التعيس" لبني البشر الذين يقطنون الكويت، نجد حكومتنا فجأة قد نزل عليها إلهام الرفق بالحيوان. فلم أتمالك نفسي من الضحك وأنا أقرأ أن المادة الثانية من القانون قد ألزمت "ملاك الحيوانات برعايتها وعدم الاضرار بها او التسبب في الم ومعاناة لها وتوفير أماكن إيواء مناسبة وعمال لرعايتها"، في حين أنني أرى يوميا معاناة اﻵلاف من المواطنين الذين يعانون اﻷمرين بحثا عن سكن - أو مأوى بلغة الحيوان - مناسب دون أن يضطر لدفع قرابة نصف راتبه إيجارا. ضحكت أكثر عندما تذكرت أنني كلما زرت أو مررت على مناطق مثل صليبية وتيماء حيث تتجسد معاناة الآلاف من البدون وأبناء الكويتيات وجدت بشرا اتخذوا من "الكيربي" أو "التشينكو" بيوتا ليسكنوها ومن أرصفة الطرق باب رزق لهم وﻷطفالهم. وانفجرت ضاحكا أكثر عندما قرأت أن غرامة من يهين موظفا أثناء تأدية عمله لا تتعدى ال500 دينار بينما تصل إلى الألف لمن يسيء معاملة الحيوان !! وباعتبار أن قانون الرفق بالحيوان الذي احالته الحكومة هو خاص بدول مجلس التعاون، فلعلنا نجد مستقبلا بعد إقرار الاتفاقية الأمنية - لا سمح الله - كويتيا مطلوبا بإحدى دول الخليج مثلا بتهمة الإساءة ل"قطو" أثناء إحدى رحلاته!

لقد ألهم الله غرابا كي يعلم علم قابيل كيف يواري سوءة أخيه هابيل بعد أن قتله، فمن سيلهم الله كي يعلم حكومتنا الموقرة كيف ترفق ببني جلدتها؟! رفقا بالإنسان يا حكومة "الرفق بالحيوان"