27‏/10‏/2015

عاشوراء الكويت بعيون الصادق

ما جرى في يوم عاشوراء على سبط النبي وأهل بيته الإمام الحسين عليه السلام كان مصيبة على أهون وصف مهما حاول بعض مرضى القلوب صرف النظر عن ذلك إلى كونه يوم فرح وسرور. يوم المصيبة - بل قل موسم المصيبة - حل علينا في الكويت في ظرف استثنائي،حيث أنه الأول من بعد مصيبة أخرى ألمت بالكويت وأعني بذلك فاجعة تفجير مسجد الإمام الصادق عليه السلام. وليس أمض فجيعة مرت على تاريخ الكويت بعد الغزو البعثي الغاشم كفجيعة قتل عدد من الأبرياء أثناء صلاتهم داخل بيت من بيوت الله في وضح نهار شهر رمضان، لا لسبب إلا لانتمائهم المذهبي. فكيف أرخت مصيبة مسجد الصادق بظلالها على إحياء ذكرى مصيبة الحسين؟

قبل أن أسترسل في المقال لا بد من التنويه إلى أن ما سأسرده لا يعدو عن كونه محاولة لنقل بعض المشاهدات الفردية لأجواء الموسم العاشورائي والتي ارتبطت برأيي بشكل مباشر بتبعات تفجير مسجد الإمام الصادق، وهي كذلك بمثابة دعوة لدراسة هذا الموسم "الاستثنائي" من قبل المعنيين بالإشراف على الحسينيات وما يمتلكون من علاقات اجتماعية وسياسية.
لعل التحدي الأبرز الذي كان ينتظر موسم عاشوراء في الكويت هو مدى الإقبال على مجالس الحسين عليه السلام لا سيما في ظل الوضع الأمني الحساس الذي تعيشه المنطقة، لكن - ومن جديد بناء على مشاهدات فردية - كان الإقبال على المجالس جيدا جدا، بل إن لم يتفوق على المواسم السابقة فهو بالحد الأدنى لم ينحسر. ورغم خبر استشهاد عدد من حضور أحد المجالس - بينهم فتاة عشرينية - بمنطقة سيهات شرق السعودية في الليالي الأولى من محرم هذا العام على يد دواعش المملكة، فإن ذلك لم يزد المعزين هنا في الكويت إلا إصرارا على الحضور، رجالا ونساء .. شيوخا وأطفالا. حجم الإقبال شكل صفعة قاسية ل"دواعش" الكويت والمنطقة والمتعاطفين معهم من ذوي النهج التكفيري، والذين كانو يظنون أنهم باستهداف المساجد والحسينيات سيحجمون من حضورها، وهذا ما يجب أن يعطي دافعا للقائمين على هذه المراكز بالإصرار على إقامة أنشطتها المعتادة طوال العام.
في مقابل ملئ المجالس بجموع المعزين فإن الأمر الآخر الملفت لأجواء عاشوراء هذا العام أنها خلت بشكل كبير مما يعرف ب "المضايف" التي كانت تملأ شوارع عدد من المناطق وذلك على ما يبدو بسبب رفض الجهات المعنية إصدار تراخيص إقامتها لدواع أمنية. نعم لا أنكر أن تكدس بعض المضايف في أماكن معينة كان يسبب نوعا من الفوضى والاختناقات المرورية، لكن غيابها شبه التام أثر بشكل كبير على "روحية" الأجواء العاشورائية التي كنا نعيشها في كل عام. هذا الأمر يتطلب منا إعادة النظر في كيفية إقامة هذا المضايف ومحتواها، زمانها ومكانها، كي تعود من جديد في الأعوام القادمة بصورة تليق بحجم قضية الحسين. ولا يفوتني أن أشير إلى أن الإقبال على مجالس اللطم - إن صح التعبير - كان ضعيفا أيضا بالمقارنة مع السنوات الماضية ما ترك أثرا بشكل أو بآخر على الصورة العامة لمحرم الكويت هذه السنة.

خلاصة الأمر أن محرم هذا العام كان "مختلفا" عما اعتدناه - أو هكذا شعرت على المستوى الشخصي - لكن ليس إلى درجة التنازل عن حضور المجالس العاشورائية والتي تعد من أعظم إن لم تكن أعظم الشعائر الحسينية. لذا وبعد أن سكبنا العبرات على مصيبة الحسين عليه السلام كما سكبناها على شهداء الوطن في مسجد الصادق فهذا وقت أخذ العبرة والدرس من الموسم العاشورائي الأخير وهو ما لن يتحقق إلا بتضافر الجهود الشعبية والرسمية للحفاظ على مسيرة إحياء الذكرى الحسينية بالصورة اللائقة وتأصيلا للدفاع عن المكتسبات الدستورية ودور الدولة المدنية.

قطرة؛
* تحية إلى قوات الأمن وفرق الطوارئ الميدانية التي كانت متواجدة طوال الليالي الماضية لتأمين حياة وراحة المعزين بمصاب سيد الشهداء.
** كثير من الحسينيات للأسف تفتقد الخدمات و المرافق الخاصة بذوي الإعاقة الحركية وكبار السن، ومما لا شك فيه أن هذا من أسباب عزوف تلك الفئات ومن يعتني بها عن الحضور، ومنا إلى المعنيين!

15‏/10‏/2015

شعائر خاوية!

قبل أن أتهم ب"معاداة الشعائر الحسينية" عطفا على عنوان المقال وقبل الدخول في أصل الموضوع، لا بد لي من توضيح النقاط التالية:
أولا: أنني أؤمن إيمانا مطلقا بأن الشعائر الحسينية كانت وما زالت وستبقى سببا رئيسيا لحفظ قضية عاشوراء. ثانيا: لما كانت هذه الشعائر تتعلق بالدين فإن تحديد جوازها من عدمه بل مبدأ كونها شعائر أصلا هو من اختصاص أهل العلوم "الدينية" ممن بحث في الأدلة لا غيرهم، لذا فإن أي رأي يطرح من قبل اي طرف آخر مهما كان مقامه لن يعدو عن كونه كلاما بلا وزن "شرعي". ثالثا: من الطبيعي أن يحدث الاختلاف بين العلماء - وهنا أشدد على كلمة علماء - في قضايا هي ليست من أصول الدين خصوصا لمن ينتهج مدرسة أهل البيت عليهم السلام، المدرسة التي فتحت باب الاجتهاد على مصراعيه في استنباط الأدلة الشرعية لما يتعلق بحياة الناس وهو ما يميز هذه المدرسة عن بقية المدارس، وعليه فاختلاف الرأي حول  الشعائر أمر وارد جدا. ورابعا: إن احترام الرأي والرأي الآخر هي من القيم الإنسانية السامية لذا فإنه مهما بلغ الاختلاف بين أصحاب الرأي فهو محكوم بإطار الاحترام، فمتى ما خرج عن هذا الإطار يكون قد خرج عن "إنسانيته" بشكل أو بآخر.

بعد هذه المقدمة أقول إن ما يجري في كل عام قبيل وأثناء موسم عاشوراء الحسين عليه السلام من جدل حول بعض الشعائر وما ينتج عن هذا الجدل من تسفيه طرف أو إخراج آخر من الملة أصبح مدعاة "للغثيان"، فقد سئمنا كثرة التركيز على موضوع الشعائر وكأن تاريخ 1400 سنة من هذه الثورة المباركة اختزل بمشروعية هذه الممارسات من عدمها. وهذا الكلام لا يعني بأي حال من الأحوال السكوت عن ممارسات قد تشوه بطولات ملحمة الطف لمجرد أنها ترتبط باسم الحسين - والحسين منها بريء - لكن ونظرا لحساسية هذه القضية فالتعامل معها يجب أن يتم بالحكمة والموعظة الحسنة والتزام نهج العلماء الأجلاء في التعاطي معها.
إن جوهر قضية الحسين عليه السلام هو "الإصلاح في أمة جده" كما عبر عنه سيد الشهداء نفسه، ولكننا وللأسف أشغلنا شبابنا وناشئتنا عن هذا الجوهر بالتركيز المبالغ فيه على القشور وإلا لما كان حال أمة المصطفى على ما هو عليه اليوم من الانكسار والذل إلا ما رحم ربي. أليس الأجدر بدل التراشق حول قضية شعائر الحسين أن يسأل كل واحد منا نفسه ماذا قدم لإصلاح أمة جد الحسين؟ هل نمتلك كأفراد أو مجاميع، مؤسسات أو جمعيات، تيارات أو أحزاب مشاريع إصلاحية نبتغي من ورائها رضا الحسين؟ إن نظرة خاطفة في تراث أتباع مدرسة سيد الشهداء تخبرنا أن التاريخ لم يخلد إلا ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ممن أسس أو شيد أو تابع على بناء الإصلاح في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فليسأل كل منا نفسه: أين نحن من هذا كله اليوم؟

مع بزوغ فجر المحرم يحين موعد أذان السماء بإقامة شعائر الله، شعائر الحزن على رزء الحسين، لكنه أيضا موعد تجديد عقد الولاء لمشروع الإمام الأسمى، مشروع إصلاح الأمة، وإن لم تقترن شعائرنا بهذا المشروع السماوي فستبقى مجرد طقوس .. خاوية.

قطرة:
ما تشهده القدس اليوم من انتهاكات وقتل هو خير شاهد على الظلم "اليزيدي" الذي تنتهجه إسرائيل وحلفائها من صهاينة العرب قبل الغرب، لكن ما يدعو للأسى هو عدم اكتراث بعض "المؤمنين" - ولو بالقلب - لما يجري على أبناء فلسطين .. على هؤلاء مراجعة "شعائرهم"!

6‏/10‏/2015

بين سعد وماجد

لا أتذكر من شخصية "سعد" سوى وجهه الذي كان ملازما لعدد من المرافق السياحية كالمدينة الترفيهية والجزيرة الخضراء ومجلدا في مكتبة والدي ضم بين دفتيه أعدادا من المجلة التي حملت اسمه (سعد)، فقد كانت المجلة الأولى من نوعها التي عنيت بأدب الطفل والناشئة على مستوى الخليج العربي بل من أوائل مجلات الأطفال في العالم العربي حيث يعود تاريخ إصدارها إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي. ارتباطي كان أكثر بالإمارتي "ماجد" فقد لقت تلك المجلة انتشارا واسعا في الكويت لا سيما وأنها كانت تصدر اسبوعيا فكنا ننتظر بشغف وصولها في كل أربعاء لنقرأ مغامرات كسلان جدا، وموزة وأخوها رشود، والنقيب خلفان، والاختين دانة وشمسة، وطبعا لا أنسى فضولي!

كنت أظن ان هذه المجلات أصبحت نسيا منسيا، لكني تفاجأت قبل أيام بأن مجلة ماجد تحولت من مجرد رسوم مطبوعة إلى قناة فضائية بل مؤسسة للترفيه مخصصة للأطفال أطلقتها مؤسسة أبوظبي للإعلام في سبتمبر المنصرم. لم أستطع مقاومة الطفل الذي بداخلي فوجدتني مجبرا على متابعة بعض برامج القناة والتي تدور بشكل رئيسي حول شخصيات المجلة التي عشنا معها أيام الطفولة. قد يصعب - في هذا الوقت المبكر - الحكم على نجاح هذه التجربة من عدمها، لكن فكرة إطلاق القناة بحد ذاتها تعد نجاحا لحكومة أبوظبي والتي شهدت في السنوات الأخيرة قفزة نوعية في المجال الثقافي والإعلامي جعلتها في مقدمة الدول العربية. فبدل الاعتماد على دبلجة برامج الأطفال العالمية وتقديمها للناشئة العرب كما كان دأب بعض القنوات العربية المخصصة للأطفال، جاءت مؤسسة ماجد بمشروع "محلي" مستلهم من الثقافة الإماراتية العربية ليعطي بذلك بعدا جديدا لصناعة (إعلام الطفل العربي). وبالنظر إلى زمن التكنولوجيا "المجنونة" الذي نعيشه مع أطفالنا أصبح من الصعب جدا مقاومة البرامج "المعربة" مع كل ما تحويه من ثقافة لا تمت إلى قيمنا العربية والإسلامية بصلة، ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع الذي أطلقته أبوظبي.

وفي مقابل غزو "ماجد" الإماراتي لفضاء الإعلام، فإن وضع صديقنا الكويتي "سعد" يبعث بالحسرة وخيبة الأمل ! فلم يبق من المجلة "الرائدة" على مستوى أدب الطفل العربي إلا الذكرى، بل حتى الشبكة العنكبوتية كانت شحيحة في تقديم المعلومات حول المجلة مما يدل على مدى الإهمال الشديد الذي طال "سعد" وهو الذي كان يكبر "ماجد" بحوالي 10 سنوات ! نعم، فلم يعد التفوق الإماراتي مقتصرا على الجانب السياحي والعمراني والاقتصادي والرياضي، ف"ماجد" اليوم هو ثمرة تفوق الإمارات في جانب الثقافة والإعلام والذي يأتي نتيجة الاجتهاد والإخلاص والرؤية السليمة لحكومة أبوظبي، وما واقع "سعد" إلا نتيجة طبيعية للتخلف الحكومي الكويتي الذي شهدته خلال أكثر من عقدين من الزمن وبات من الضروري معه أن نقوم كآباء بتطعيم أبنائنا بلقاح يقيهم شر هذا التخلف ومضاعفاته لا سيما على الجانب الاخلاقي.

بين الإماراتي "ماجد" والكويتي "سعد" تتجلى لنا رؤى قيادية، رؤية جعلت من الاستثمار البشري هدفا واضحا ليصبح  ماجد معها "رائدا للفضاء"، ورؤية أخرى "مظلمة" ليس فيها للإنسان محل للاستثمار إلا من خلال كسب "القروش" وتكبير "الكروش".