6‏/10‏/2015

بين سعد وماجد

لا أتذكر من شخصية "سعد" سوى وجهه الذي كان ملازما لعدد من المرافق السياحية كالمدينة الترفيهية والجزيرة الخضراء ومجلدا في مكتبة والدي ضم بين دفتيه أعدادا من المجلة التي حملت اسمه (سعد)، فقد كانت المجلة الأولى من نوعها التي عنيت بأدب الطفل والناشئة على مستوى الخليج العربي بل من أوائل مجلات الأطفال في العالم العربي حيث يعود تاريخ إصدارها إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي. ارتباطي كان أكثر بالإمارتي "ماجد" فقد لقت تلك المجلة انتشارا واسعا في الكويت لا سيما وأنها كانت تصدر اسبوعيا فكنا ننتظر بشغف وصولها في كل أربعاء لنقرأ مغامرات كسلان جدا، وموزة وأخوها رشود، والنقيب خلفان، والاختين دانة وشمسة، وطبعا لا أنسى فضولي!

كنت أظن ان هذه المجلات أصبحت نسيا منسيا، لكني تفاجأت قبل أيام بأن مجلة ماجد تحولت من مجرد رسوم مطبوعة إلى قناة فضائية بل مؤسسة للترفيه مخصصة للأطفال أطلقتها مؤسسة أبوظبي للإعلام في سبتمبر المنصرم. لم أستطع مقاومة الطفل الذي بداخلي فوجدتني مجبرا على متابعة بعض برامج القناة والتي تدور بشكل رئيسي حول شخصيات المجلة التي عشنا معها أيام الطفولة. قد يصعب - في هذا الوقت المبكر - الحكم على نجاح هذه التجربة من عدمها، لكن فكرة إطلاق القناة بحد ذاتها تعد نجاحا لحكومة أبوظبي والتي شهدت في السنوات الأخيرة قفزة نوعية في المجال الثقافي والإعلامي جعلتها في مقدمة الدول العربية. فبدل الاعتماد على دبلجة برامج الأطفال العالمية وتقديمها للناشئة العرب كما كان دأب بعض القنوات العربية المخصصة للأطفال، جاءت مؤسسة ماجد بمشروع "محلي" مستلهم من الثقافة الإماراتية العربية ليعطي بذلك بعدا جديدا لصناعة (إعلام الطفل العربي). وبالنظر إلى زمن التكنولوجيا "المجنونة" الذي نعيشه مع أطفالنا أصبح من الصعب جدا مقاومة البرامج "المعربة" مع كل ما تحويه من ثقافة لا تمت إلى قيمنا العربية والإسلامية بصلة، ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع الذي أطلقته أبوظبي.

وفي مقابل غزو "ماجد" الإماراتي لفضاء الإعلام، فإن وضع صديقنا الكويتي "سعد" يبعث بالحسرة وخيبة الأمل ! فلم يبق من المجلة "الرائدة" على مستوى أدب الطفل العربي إلا الذكرى، بل حتى الشبكة العنكبوتية كانت شحيحة في تقديم المعلومات حول المجلة مما يدل على مدى الإهمال الشديد الذي طال "سعد" وهو الذي كان يكبر "ماجد" بحوالي 10 سنوات ! نعم، فلم يعد التفوق الإماراتي مقتصرا على الجانب السياحي والعمراني والاقتصادي والرياضي، ف"ماجد" اليوم هو ثمرة تفوق الإمارات في جانب الثقافة والإعلام والذي يأتي نتيجة الاجتهاد والإخلاص والرؤية السليمة لحكومة أبوظبي، وما واقع "سعد" إلا نتيجة طبيعية للتخلف الحكومي الكويتي الذي شهدته خلال أكثر من عقدين من الزمن وبات من الضروري معه أن نقوم كآباء بتطعيم أبنائنا بلقاح يقيهم شر هذا التخلف ومضاعفاته لا سيما على الجانب الاخلاقي.

بين الإماراتي "ماجد" والكويتي "سعد" تتجلى لنا رؤى قيادية، رؤية جعلت من الاستثمار البشري هدفا واضحا ليصبح  ماجد معها "رائدا للفضاء"، ورؤية أخرى "مظلمة" ليس فيها للإنسان محل للاستثمار إلا من خلال كسب "القروش" وتكبير "الكروش".

هناك تعليق واحد:

  1. مقاله رائعة .. من خلال حروفها صفقنا لماجد .. و تسائلنا كيف كانت ملامح سعد .. ؟

    ردحذف