ينقل عن الشيخ جابر الأحمد رحمه الله عند سؤاله حول توقيت التطبيع مع الكيان الصهيوني قوله "إن الكويت ستكون آخر دولة عربية تطبع مع إسرائيل". كلام الأمير الراحل، وبالنظر إلى وقته وسياقه آنذاك، إنما يفهم منه "استحالة" التطبيع مع المحتل الإسرائيلي، لأنه من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل مجرد التفكير - أو لعل هذا ما كان يظنه الشيخ - أن تهرول كل الدول العربية لمد يد الصداقة لهذا الكيان الغاصب. غير أنه ومع تسارع الأحداث في السنوات القليلة الأخيرة، بات يحق لنا أن نتساءل ما إذا كانت فرضية تطبيع الكويت مع اسرائيل قد انتقلت من خانة "الاستحالة" إلى خانة "الاحتمال"؟!
مؤمنٌ بأن الكويت ستبقى ولسنوات ليست بالقليلة في صف الممانعة. هذا الإيمان نابعٌ من عدة شواهد لعل أبرزها الالتفاف الشعبي المصحوب بدعم القيادة السياسية لمواقف أعضاء الشعبة البرلمانية من وفد الكيان الصهيوني في مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي ٢٠١٧ و ٢٠١٨. ولولا حق "الفيتو" الذي مارسته الولايات المتحدة إرضاءً لربيبتها إسرائيل، لنجح مجلس الأمن في تمرير مشروع القرار الكويتي بتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في يونيو الماضي. هذه المواقف وغيرها لا تعكس الجانب الرسمي لدولة الكويت وحسب، بل هي انعكاس لنبض شعب بأكمله، بمختلف مشاربه، يؤمن بمظلومية الشعب الفلسطيني، ويرى في فلسطين والقدس قضايا مبدأية لا يمكن التنازل عنها أبدا.
لا شك أن إسرائيل، ومن خلفها الحكومة الأمريكية، غير راضية عن وجود الكويت - رسميا على الأقل - في صف الممانعة للتطبيع الصهيوني. فقد سبق وأن تداولت وسائل إعلام عدة امتعاض الولايات المتحدة وعلى لسان مستشار الرئيس الأمريكي وصهره (جارد كوشنير) الذي وصف مواقف الكويت بأنها "خارج الإجماع العربي". كما قام الكنيست الاسرائيلي سابقا برفع دعاوى على الكويت لدى البرلمان الدولي متهما إيانا بمعاداة السامية. هذا ناهيك عن تكرار لجوء مواطنين إسرائيلين لتقديم شكاوى على الخطوط الجوية الكويتية لرفضها نقلهم على متنها. مثل هذه التصريحات والممارسات إنما تهدف للضغط على الحكومة الكويتية لركوب قطار الاعتراف بإسرائيل أسوة ببقية دول الخليج. فلو انتفت كل الأسباب السياسية والاقتصادية التي تدعو إسرائيل وأدواتها للضغط على الحكومة الكويتية، فالتاريخ يخبرنا بأن "العنجهية الاسرائيلية" لوحدها قد تكون دافعا لممارسة هذه الضغوطات. فالعقلية الإسرائيلية لا يمكن أن تقبل أن دولة صغيرة كالكويت يمكن لها أن تكون استثناء من المنظومة الخليجية حين يتعلق الأمر بالتطبيع. لذلك فإنه مهما بلغت حدة الخلافات السياسية وأيا كانت درجة السخط على الأداء الحكومي والبرلماني، فمن واجبنا كشعب دعم وتأييد كل الاجراءات والمواقف الرسمية المساندة للقضية للفلسطينية.
لكن الأهم من ذلك كله أن تبقى فلسطين تنبض في وجدان الشعب لأجيال قادمة، فالثقل الأكبر في مناهضة التطبيع إنما يقع على كاهل الشعوب. فمن الملاحظ أن المناهج التعليمية لم تعد تعير للقدس وفلسطين أي أهمية. فالمقدار المخصص لفلسطين في مناهج التعليم الحكومي يدعو للخجل، وأما مناهج التعليم الخاص - الأجنبي تحديدا - فإني على يقين أن فلسطين لا تعني لها شيئا. هذا ناهيك عن العزوف الكبير عن المشاركة في الفعاليات السنوية الفلسطينية من قبيل إحياء ذكرى النكبة ويوم الأرض واليوم العالمي للقدس. بل صار من النادر جدا أن تجد حتى إمام مسجد يتحدث عن مظلومية الشعب الفلسطيني في خطبة الجمعة. وإذا ما استمر الفتور في اذكاء جمرة الانتصار للقدس وفلسطين، فإن أجيالنا القادمة لن تعرف عن هذه القضية سوى حروف أسمائها.
لقد فتح الخليج أبوابه لإسرائيل من بوابات "السلام" و "الرياضة" و "السياحة" و "التجارة"، وبات الصهاينة يطرقون بوابات الكويت آخر معاقل الممانعة في الخليج، ليبقى السؤال .. إلى متى ستبقى بواباتنا موصدة مستحيلة على بني صهيون؟