1‏/2‏/2018

خيازرين ‏بالية

قد لا يختلف اثنان على أن "حسين بن عاقول" استحق كل "لسبة" على ظهره جراء "قِشه" بترويج لحم الكلاب بدل الخراف. وعلى الرغم من محاولة "حسينوه" تبرير فعلته بأنها "شطارة تاجر"، لكنه ما إن سمع بالعقوبة المعدة للغشاش حتى "تعومس"، كيف لا وما ينتظره ليست مجرد خيزارنه، بل "خيازرين منقعة بماي وملح" ! كانت الخيزرانة في تاريخنا من أكثر أدوات "التهذيب والاصلاح" رواجا، ولذا ما إن يذكر اسمها حتى ترتعد فرائص "المذنب" ذعرا! لكن مع الوقت وبسبب سوء استخدام "الجلادين" لها من شرطة ومعلمين و"ملالوة" وتطور أساليب التربية فقدت الخيزرانة قيمتها "الإصلاحية".

حال "الاستجواب" في مجلس الأمة الكويتي بات كحال الخيزرانة. فبعد أن كان كابوسا يؤرق منام الوزير المستجوَب والحكومة من خلفه حتى لمجرد التلويح به، لم يعد للاستجواب تلك الهيبة التي تردع او تعاقب وزيرا على فساد مالي او إدراي. بل صارت مادة الاستجواب هي آخر ما يهم الساسة ومن يقف خلفهم في تحديد مواقفهم من الوزير وحكومته، ومعظم ما نسمعه من تبريرات النواب بأنه اتخذ موقفه عن قناعة بعد استماعه لمرافعة المستجوبين وردود الوزير ليس إلا "علاك مصدي". فعائلة الوزير أو قبيلته، صلته بأقطاب الأسرة الحاكمة، "ثقل" التاجر الذي يدعمه، إسلاميته او ليبراليته، شيعيته او سنيته، كل هذه العوامل ولعله غيرها تسبق مادة الاستجواب نفسها بسنوات ضوئية حين يتم تحديد التصويت على طرح الثقة. فحتى لو كان الوزير يضاهي أولياء الله الصالحين في مقاومته للفساد أو كان قرينا للشياطين في نشره، فإن ذلك لم يكن ليؤثر على الموقف منه لدى الغالبية النيابية. وهذا إن دل فإنما يدل على أن التركيبة السياسية بشكل عام والبرلمانية بشكل خاص هي العامل الأساسي التي أفقدت الاستجواب قيمته الإصلاحية المنشودة. بل وبعدما كان أقصى ما يخشاه الوزير هو إيقافه على المنصة، صار بعضهم يتمنى الوقوف عليها وفي جلسة علنية كي يزيد من رصيده الشعبي. وعلى ذكر الشعب، فإن العامل الأساسي الآخر الذي وصل بالاستجواب إلى هذا المستوى هو عدم الاكتراث الشعبي فعلا. ففي الماضي كان الاهتمام بالاستجوابات حالة عامة لدى المواطنين حتى لغير المهتمين بالسياسة. لكن ومع كثرة الاستجوابات والاستخدام العبثي لها ويقين الشعب بأن الاستجواب لن يقدم ولن يؤخر، فقدت هذه "الخيزانة" الزخم الشعبي والإعلامي الذي كان يلازمها. فعندما نعلم أنه ومنذ عودة الحياة البرلمانية عام ١٩٩٢ وإلى الآن تم تقديم أكثر من ٦٥ استجواب منها أكثر من ٤٠ في فترة مجلس ٢٠٠٩ وما أعقبه من مجالس، فيحق لنا عندئذ ان نتساءل بعد كل هذا الكم من المساءلات: هل انصلح حال البلد أم اننا في تراجع مضطرد على مختلف المستويات؟

الخلل في العملية السياسية الحالية واضح وجلي، وما لم يتم الجلوس على طاولة حوار شعبية واحدة لتحديد مكامن الخلل بدقة وإيجاد حلول واقعية لها، فلا الاستجواب ولا أكبر "خيزارنة سياسية" ستصلح الحال، وسيبقى "حسينوه بن عاقول" آخر فاسد تمت محاسبته حسابا عسيرا في تاريخ الكويت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق