23‏/1‏/2016

كيف تصبح مستحمرا؟

المشهد الأول:
دخل أستاذ الاقتصاد على طلبته فكان أول ما قام به أن اتجه صوب السبورة وكتب عليها "كيف تصبح مستحمرا؟". أخذ الطلبة بالضحك لظنهم أن أستاذهم وضع حرف الحاء بدل الثاء، كونهم يعلمون مسبقا أن المحاضرة حول الاستثمار. رمق الأستاذ طلبته بنظرة حل معها الهدوء في القاعة ثم شرع بالشرح قائلا "يحكى أن رجلا من الأرياف ورث مبلغا كبيرا فقرر شراء أرض واسعة يزرعها بشتى صنوف الحبوب تكون له ولولده من بعده استثمارا يقيهم غير الزمان. كان الرجل بسيطا لكنه في ذات الوقت رجل عنيد لا يسمع النصيحة، قام ب"تكسير حساباته" فوجد أن شراء حمار ومحراث سيعود عليه بكلفة أقل من إرسال أولاده الثلاثة إلى كليات الزراعة والتجارة وإدارة الأعمال كي يتولو شؤون الأرض على المدى البعيد كما نصحه حكماء ومثقفو القرية التي يسكنها. بعد فترة آتت الأرض أكلها، ففرح الرجل بنتاج جهده و"ذكائه" في كيفية استثماره الأرض واكتفائه بالحمار وعلفه دون الأخذ بنصيحة الحكماء المكلفة ماديا كما ظن. لكن صديقنا أصيب بمرض عضال لم يقو معه على إدارة شؤون أرضه وحماره، وكذلك كان حال أولاده فانتهى الأمر بأن أتى الحمار على كل المحصول فذهب "الاستثمار" بسبب "الاستحمار".

المشهد الثاني:
طالعتنا الصحف المحلية في السابع من يناير بخبر مفاده قيام وزارة الخارجية ممثلة بسفارة دولة الكويت بشراء منزل في العاصمة الأمريكية بقيمة 18 مليون دولار يكون سكنا لعائلة السفير في واشنطن. مصدر وزارة الخارجية أكد للصحيفة ذاتها في خبر نشر في اليوم التالي أن شراء مقار لرؤساء بعثاتها يتم وفق شروط تضمن الجودة والسعر والجوانب الأمنية، واعتبر المصدر ذاته أن هذه المقار تعد أصولا و "استثمارا" للدولة يجنبها الأعباء. المفارقة أنه قبل يومين فقط خرج علينا ديوان الخدمة المدنية بقرار إيقاف الدورات والبرامج التدريبية الخارجية لجميع موظفي الدولة "اتساقا مع سياسة الدولة في ترشيد الإنفاق" كما جاء في القرار. لا أعرف سر استغراب البعض من هذا القرار، فالدولة - ما شاء الله - مليئة بالعباقرة والجهابذة الذين استلموا مفاصلها ورسموا خارطة مؤسساتها الاقتصادية والتعليمية والصحية والرياضية وغيرها حتى أوصلوا الكويت لما هي عليه اليوم من "الرفاه". وطالما أننا عشنا عقودا من الرفاه بفضل هذه العقليات الجبارة فإن إيفاد الكوادر الوطنية والاستثمار البشري في نظر الحكومة بات "ترفا" لا يمكنها تحمل أعبائه بعد اليوم، وهو أمر منطقي في بلد صانعوا قراره وراسموا سياساته يعيينون وفق مبدأ "حب الخشوم" و "من ولده؟" وعليه لا داع لإثقال كاهل الدولة باستثمار جيل جديد من أصحاب التخصص والخبرة !

المشهد الأخير:
عاد الأستاذ في نهاية المحاضرة للسؤال الذي بدأها به "كيف تصبح مستحمرا؟" فرفع أحد الطلبة يده مجيبا "أن أشتري أرضا بالملايين بقصد الاستثمار وأترك حرثها طعمة لحوافر الحمار".
تمت

11‏/1‏/2016

تعلمت الدرس

في إحدى مناوباتي في أجنحة الأطفال، دخل ولد لم يبلغ الثانية من عمره وكانت الشكوى من والدته أنه كام نائما أكثر من المعتاد في ذلك اليوم وحين نهض من نومه بدت حركته مترنحة وهو ما يعرف طبيا بال ataxia. استفهمت الأم ما إن كان الطفل قد تناول أي أدوية مؤخرا فأجابتني بالنفي، ثم استدركت "لا شيء سوى أدوية الزكام" ! طلبت منها أن تريني الأدوية فأخرجت من حقيبة الطفل صندوقا حوى داخله 3 زجاجات لأدوية ما يعرف بمضاد الهيستامين (anti-histamine ) كانت الأم قد ابتاعتها من الصيدليات الخاصة لتعطي منها للطفل 3 مرات يوميا على الأقل خلال اسبوع سبق دخوله المشفى. توصلنا كفريق طبي أن الجرعات المتكررة والزائدة هي سبب أعراض الطفل وقمنا بشرح ذلك لوالدته التي تفهمت بشكل كبير انها أضرت بالطفل من حيث لا تشعر والسبب مجرد "زكام".

أمثال هذه السيدة كثير في عالمنا العربي ممن "يتسوق" بين المراكز الصحية والصيدليات بحثا عن أدوية لعلاج أمراض شائعة،أمراض عادة لا تحتاج إلى لقليل من الصبر والوقت كي تتلاشى أعراضها. هذا الأمر شائع جدا خصوصا في مجال الأطفال لا سيما في فصل الشتاء حيث تنشط كثير من الفيروسات المسببة لعدوى الجهاز التنفسي وما يصاحبها من أعراض الزكام والسعال. ولا يمكن القاء اللائمة على الأهل وحسب، فجزء كبير منه يقع على الهيئة الطبية المعالجة من أطباء وصيادلة وغيرهم في كيفية إيصال المعلومة الصحيحة المبنية على الدليل العلمي (evidence-based medicine) دون الانجراف لرغبات بعض الأهل الجامحة في الحصول على الدواء. ومما قد يزيد الأمور تعقيدا هو انتشار مثل هذه الأدوية في الصيدليات ومراكز التسوق وصرفها دون وصفة طبية، الأمر الذي تستغله شركات التصنيع الدوائي لعرض بضاعتها بطرق ابتكارية تجبر المريض على "التسوق" أحيانا حتى وان كان يعاني من مجرد زكام بسيط. من هنا يأتي الدور على الأطباء في المقام الأول بمراجعة آخر توصيات المنظمات الطبية العالمية القائمة على الدليل العلمي في علاج هذه الأمراض الشائعة وبيان ذلك بشكل سهل وميسر لذوي الطفل المريض، مع التشديد على ثني الأهل عن شراء أدوية واعطائها للطفل دون استشارة الطبيب أولا لما قد ينتج عن ذلك من أعراض جانبي قد تكون نتائجها وخيمة على الطفل كما حدث لابن تلك السيدة.

عولج الطفل ولله الحمد وخرج من المشفى بعد يومين تقريبا لكن قبل مغادرته سألت والدته عن صندوق الأدوية فقالت لي "رميته في الزبالة .. فقد تعلمت الدرس" !