26‏/12‏/2013

"بوق" .. لا تخاف

"بوق" .. لا تخاف !

يحكى أن مستثمرا أجنبيا أتى إلى الكويت والتقى أحد كبار التجار عارضا عليه إقامة مشروع ضخم فلما أخبره التاجر عن قيمة الصفقة صعق الأجنبي للسعر الذي أعطاه إياه التاجر، فسأله والتعجب يعلو جبينه "لم كل هذه المبالغة بالسعر لمشروع من هذا النوع؟" فأجابه التاجر بأنه سيأخذه في جولة على بعض المشاريع ليعطيه فكرة أكبر حول قيمة المشاريع في الكويت. وما إن وصلوا إلى "البر" توقفت سيارة التاجر وفتح النافذة وأشار بسبباته قائلا "أترى هذا المشروع؟" سكت الأجنبي برهة، بلع ريقه ونزل من السيارة وهو يلتفت تارة يمينا وأخرى شمالا وهو يسأل "لا أرى إلا رمالا يا رجل؟" فقال التاجر الكويتي "بالضبط.. هذا المشروع قيمته 10 ملايين دينار!!" المهم.. أن المستثمر الأجنبي ذهب إلى قطر وعمل مشروعه وبالأرباح التي جناها اشترى له بيتا في مشروع النخلة بدبي.

هذه من الطرائف التي يتداولها المواطنون في هذا الزمن والتي تعبر بسخرية عن واقع اسمه (التعدي على المال العام)، الواقع الذي أصبح سمة أساسية من سمات مجتمعنا حتى صار من الدارج أن تسمع مقولة: الكويتيون "بس شاطرين بالبوق"! بل أصبح الشعب لا يمانع من سرقة المال العام ويعتبرها من المسلمات أحيانا طالما أن وراء السرقة إنجاز لمشروع حيوي "سنع" على غرار جامعة أو مستشفى أو حتى استاد رياضي! لم يترسخ هذا الانطباع في ذهن المواطن البسيط من قبيل المصادفة أو على خلفية حادثة عابرة هنا أو هناك، بل لكثرة ما سمع وقرأ عن "بوقات" تقدر بمئات الملايين - ان لم تكن بالمليارات - خلال أكثر من عقدين من الزمن كحوادث الناقلات و الاستثمارات الخارجية وصولا إلى مجمعات تجارية وسرقة الديزل وقضية الفحم المكلسن وعقود لشركات نفطية كانت آخرها فضيحة "الداو" الشهيرة حتى وصل اﻷمر ب"الحرامية" أن سرقوا حتى "الرمال". فما أثاره رئيس لجنة الميزانيات والحساب الختامي السيد عدنان عبدالصمد حول ما أورده ديوان المحاسبة من شبهة سرقة رمال جامعة الشدادية تقدر قيمتها بالملايين ليس إلا سلسلة من حلقات المسلسل الكويتي (بوق لا تخاف)، وهي امتداد لما صرح به السيد عدنان نفسه من مخالفات مالية لمختلف مؤسسات الدولة قبل فترة قصيرة والتي على إثرها اجتمع قطبا السلطتين التشريعية والتنفيذية باللجنة ذاتها في اجتماع عد اﻷول من نوعه لبحث كيفية تلافي "الفضايح". وفي وقت كنا ننتظر فيه المسؤولين عن الجامعة ومن باب الشفافية فتح ملف تحقيق بالموضوع رأينا تسارعهم لنفي الحادثة وزيارة الموقع لتصوير الرمال الموجودة لطمأنة الشعب أن "ترابهم" بالحفظ والصون في خطوة مستغربة نوعا ما. في ذات الوقت ما زلنا نتساءل عن الإجراءات التي سيتخذها ديوان المحاسبة ومجلس اﻷمة لكشف ملابسات هذه القضية أم أن مصيرها سيكون الوأد كحال ما سبقها من القضايا المشابهة.

ستستمر حلقات المسلسل الكويتي (بوق لا تخاف) إلى ما لا نهاية طالما أن مقص الرقيب أصابه الصدأ ولا يصلح حتى ﻷن يكون مقص بيد "حلاق" ليبقى لسان حال المواطن المسكين "إذا حاميها حراميها .. بعد ما ظل بيها!"

19‏/12‏/2013

عباس و الغيلان

عباس والغيلان

لطالما كانت مباريات العربي والقادسية تحظى باهتمام جماهيري كبير جدا، فتجد الدواوين وطلبة المدارس وأبناء "الفريج" لا حديث لهم سوى عن المباراة المرتقبة، وما إن يحل يوم المباراة حتى تصل حالة الاستنفار إلى أقصاها وترى الجماهير "طوابير" أمام بوابة الاستاد قبل موعد اللقاء بساعات لضمان الجلوس بأماكن جيدة تتيح لهم المتابعة لعلمهم أن الاستاد سيمتلئ عن بكرة أبيه حتى قبل انطلاق الصافرة.

كنت أتخيل أن هذا المشهد سيتكرر في 12-12-2013 أمام بوابة مجلس اﻷمة وداخل قاعة عبدالله السالم في الجلسة الخاصة بالقضية الإسكانية خصوصا بعد الاهتمام الإعلامي الكبير الذي حظيت به القضية. فالقضية الإسكانية كانت دائما ما تحتل مراتب الصدارة في استطلاع أولويات المواطنين منذ العام 1996 كما أشارت صحيفة القبس في عددها الصادر بتاريخ 29-11-2013. وما يؤكد ذلك ظهور حملات شعبية شبابية على غرار (ناطر بيت) و (وطن بالأجار) وقيامهم بأنشطة متنوعة من اعتصامات ولقاءات مع المسؤولين، بل وصل اﻷمر أيضا إلى مخاصمة الحكومة قضائيا لتهاونها بتطبيق القوانين المتعلقة بالإسكان. كل هذه المعطيات كانت تنبئ أن المدرجات ستكتظ بالجماهير الغاضبة التي سئمت العيش تحت وطأة جشع "غيلان الإسكان" وأنها لن تخرج من المجلس إلا بتطاير "العقل" و"الغتر"، بل لم أكن ﻷستغرب لو "اقتحم" - أو "دخل" بمعنى أصح - أحد الجماهير منصة الرئاسة ومقاعد أعضاء الحكومة احتجاجا على الوضع المأساوي الذي وصل إليه حال الإسكان. لكن كحال مباريات العربي والقادسية، فغياب الجمهور عن حضور جلسة تتعلق بأولى أولوياتهم لم يكن أمرا مستغربا، فقد رأى الجمهور بعينه كيف أصبح المجلس في الفترة اﻷخيرة حملا وديعا لا قدرة له على مواجهة تكتيكات الحكومة وخططها  نظرا لضعف مستوى أغلب اللاعبين -أو الأعضاء - الحاليين مقارنة بما كان عليه في "الجيل الذهبي" للمجلس ما جعل الجمهور يؤمن في قرارة نفسه أن الحل ليس بيد مجلس "في جيب الحكومة"، وما بعض العنتريات التي استمعنا إليها من اتهام الحكومة والوزير المعني بالتقصير إلا مجرد "إبراء للذمة" كما وصفها بعض اﻷعضاء. بل حتى من حضر من الجماهير وتحدث بحرقة قلب معبرا عن "زهقته" لكثرة الكلام الإنشائي من أعضاء السلطتين رفع له الرئيس مرزوق الغانم "الكرت اﻷحمر" وطرده خارج المجلس بحجة تطبيق اللائحة وهو الذي وقبل أشهر قليلة فقط حيا الجماهير التي صفقت له بعد فوزه بمنصب الرئاسة! نعم كما قال عباس الشواف (زهقنا)، الشباب يا سعادة رئيس المجلس سئموا لكثرة ما يسمعون عن الفوائض المليارية لميزانيتنا ومن كثرة ما يرونه من مساحات الفضاء التي تفوق ال 90% من مساحة وطنهم والخاضعة لسيطرة "غيلان الإسكان". لقد ضاقوا ذرعا وهم يرون بأعينهم المخالفات الصارخة لقوانين الإسكان التي لا تطبق إلا على "عيال الفقارة" في حين يضرب بها أبناء "الغيلان" عرض الحائط في وقت لا يجدون من يقف بوجههم ويقتلع مخالبهم. أبعد ذلك كله ياسعادة الرئيس تستكثر على عباس حتى الاحتجاج في جلسة "صورية"؟

سيبقى الكويتي يحمل هم سكنه ليوم دفنه طالما أن أصحاب القرار عاجزون عن مواجهة هؤلاء الغيلان، لكن احذروا يا أصحاب القرار من غضب الصامتين، من عباس وأمثال عباس، فاليوم سكن وغدا صحة وبعده تعليم وغيره حتى ينادي المنادي منكم (الفرار الفرار .. مالنا من قرار)!

10‏/12‏/2013

الطبابيخ و "دملة البدون"

الطبابيخ و "دنبلة البدون"

من البديهي أنه مهما بلغت لذة "طبخة" ومهما تفنن الطباخ بمزج المقادير فإنها إن لم تجد طريقها إلى بطون الجياع فمآلها أن "تعفن" وترمى في سلة المهملات. حال مثل هذه "الطبخات" يشبه كثير من القوانين التي يشرعها مجلس اﻷمة، أو "مطبخ القوانين" كما وصفه الراحل علي المفيدي في المسرحية السياسية الساخرة (حامي الديار). ف"طبابيخ القانون" لدينا يتفنون في إصدار التشريعات حتى لم تكد تفتهم شاردة أو واردة إلا وشرعوا لها قانونا بغض النظر عن رأينا في تلك القوانين. وقد يتفق الكثيرون أن مشكلتنا في هذا البلد ليس غياب القانون بل العلة في تطبيقه، وهو ما يعني أنه مهما كان القانون ممتازا وصياغة بنوده محبوكة فطالما أنها لم تجد اليد التي تطبقها فلن تساوي الورق الذي كتبت عليه.

ولعل المثال الحي لمثل هذه القوانين هو ما يعرف بقانون تجنيس ال(4000) من البدون لعام 2013 الذي شرعه المجلس المبطل الثاني في مارس الماضي والذي تنتهي صلاحيته بعد أيام قليلة. هذا القانون الذي وصفه وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء ووزير الصحة الشيخ محمد العبدالله عقب إقراره آنذاك بأنه "ثمرة من إنجازات المجلس الحالي" وأن الحكومة "سوف تولي اهتمامها بشأن قضية البدون". تسعة شهور مضت يا معالي الوزير وما زالت هذه الثمرة معلقه لم تجد من يقطفها حتى صرنا نخاف أن ينخرها الدود فلا تعد صالحة للاستهلاك. بل لم نر خطوة حقيقية من حكومة الشيخ جابر المبارك توحي بأنها فعلا مهتمة بحل قضية البدون كما صرح الوزير العبدالله، وليس هذا باﻷمر المفاجئ. وكيف لها أن تهتم وهي تشعر بأن مثل هذه القوانين دائما ما تسبب لها "الحارج"، فلو عدنا بالذاكرة قليلا إبان "طبخ القانون" إياه لوجدنا كيف استماتت الحكومة للوقوف دون إقرار القانون بصيغته الأولى - أي تجنيس ما لا يقل عن 4000 - حتى تمكنت وبمساعدة بعض طبابيخ القوانين المحسوبين عليها من تحويله إلى (ما لا يزيد عن 4000) ناهيك عن جهودها من خلال بعض وزرائها في عدم تشكيل لجنة برلمانية تختص بشؤون البدون.

المماطلة الحكومية في علاج "دنبلة البدون" كما وصفها النائب سيد عدنان عبدالصمد ليست بالغريبة، لكن المستغرب هو تهاون النواب بعلاجها. فالسيد عدنان افتتح عضويته في المجلس الحالي بحزمة أسئلة حول هذه القضية وقانون ال4000 تحديدا، تلاه عدد من النواب مؤخرا مستنكرين تسويف الحكومة لتطبيق القانون المذكور، لكن هل هذا يكفي أيها السادة النواب؟ هل ستحاسبون الحكومة فعليا لو انتهت صلاحية القانون أم أنها ستكون محاسبة شكلية لا تتعدى حدود التهديد والوعيد والاستجواب الصوري كما فعل بعض الأعضاء سابقا؟

لقد شبع الشعب من رائحة "طبخ القوانين" وصار ينتظر متى يراها على "بوفيه التطبيق" بشرط أن يكون "بوفيها مفتوحا" يسري التطبيق فيه على الجميع، وإلا بدل "دنبلة بدون" واحدة فسنكون على موعد مع "دنابل" لا نعلم متى تنفجر، وإن انفجرت فلن تبقي ولن تذر، فحاسبوا قبل أن تحاسبوا !

18‏/11‏/2013

الكويتية تستاهل الطلاق

الكويتية تستاهل الطلاق

"حط بالك يمه تلعب بعقلك وحدة من هاﻷجنبيات وتقولك تعال تزوجني، ترى ما تحصل مثل الكويتية .." هذه التوصية - أو ما في حكمها - هي من أركان حديث الوداع بين الأم والابن "العزوبي" الذي يستعد للسفر من أجل استكمال دراسته، وهو أمر طبيعي في مجتمعنا وتجسيد للمثل القديم "حلاة الثوب رقعته منه وفيه". نعم قد أتفق مع هذه الرؤية لو عاد اﻷمر لموضوع الزواج من "الكويتية"، لكني سأختلف وأحارب وأعارض أي أم بل أي شخص يدعو ويشجع للسفر على "الكويتية".

فحال الكويتية - وأعني الخطوط الجوية طبعا - لا يسر لا قريب ولا غريب. فتأخير المواعيد من عاداتها، وكراسيها من أسباب أمراض المفاصل والعمود الفقري، ونظامها الترفيهي "مثل ويهها"، فضلا عن محدودية وجهاتها وارتفاع أسعار تذاكرها مقارنة بمعظم نظيراتها لا سيما أخواتها الخليجيات. فقد أصبحت الثقة بين الكويتي و "الكويتية" شبه معدومة في ظل ما يراه من تسابق شركات الطيران على خطب وده بعروض لا تثقل كاهل محفظته وخدمات توفر له أسباب الأنس والراحة، حتى صار البعض مستعدا لدفع مبلغ أكبر أحيانا "ولا اني أسافر على الكويتية". ولتزيد "الكويتية" من حسرة أبنائها طالعتنا الصحف مؤخرا بخبر مفاده أن المؤسسة تستعد لشراء خمس طائرات مستعملة من إحدى شركات الطيران الهندية، في وقت تصدرت بعض الشركات الخليجية عناوين أخبار السفر والاقتصاد بعد شرائها لأحدث ما توصلت إليه صناعات الطائرات. فأي انحدار هذا الذي وصلت إليه حالة الناقل الرسمي؟

ولو كان اﻷمر يقتصر على الطائرات لهان، فالبيت الحاضن لها - وأعني المطار - لا يقل سوءا بأي حال. فاليوم كطبيب لا أنصح مرضى الضغط والسكر بدخول مواقف السيارات بالمطار لما قد تسببه لهم من أزمة أو جلطة لا سمح الله نظرا لسوء التصميم والإدارة. والحال في صالات المغادرين والقادمين "ألعن" عندما تكتظ بأعداد المسافرين الهائلة في مواسم السفر وما يسببه ذلك من تعطيل واختناقات وضياع للأمتعة. هذا إلى جانب ما يعرف بالسوق الحرة الذي لا تتعدى إمكانياته وبضائعه إمكانيات "سوق الجمعة". ناهيك عن أبسط الخدمات الأخرى كالانترنت وقاعات الانتظار الطويل وغيرها من التي تقدمها المطارات المحترمة في العالم لروادها. ولا مجال للحديث هنا عن "المهازل" التي تتم في مبنى الشحن بالمطار فتلك قصة يطول مقامها.

بعد أن جرب دلع "الإماراتية" وراحة "القطرية" فلا تلوموا الكويتي إن طلق "الكويتية" ومطارها ثلاثا فقد سئم وهو يراها بثوبها "المرقع" و "لاعت جبده" وهو ينتظر خصخصتها وأسطولها الموعود ومطارها الجديد. لكننا مجبرين على التمسك بقشة اﻷمل عسى أن يأتي من "يسنعها" ويعيدها ﻷحضان الكويتيين معززة مكرمة.

8‏/11‏/2013

كفاية "تحلطم"

كفاية "تحلطم"

شكل اعتصام الأطباء اﻷول أمام مستشفى الأميري فيما عرف بقضية "كفاية" حدثا مهما وغريبا في نفس الوقت. فأهمية الحدث تنبع من أمرين، أولهما أن الاعتصام - دون النظر في تفاصيل القضية - كسر حاجز الصمت لدى اﻷطباء ونقلهم من مرحلة التذمر المستمر، والممل أحيانا، على الوضع الصحي إلى مرحلة الخطوات العملية في طريق إصلاح هذا الوضع الذي لا يختلف اثنان على "تعاسته". أما اﻷمر الثاني فيعود إلى أصل القضية ذاتها. فرغم أن العشرات من الأطباء الذين خرجوا إنما اعتصموا تعاطفا مع شخص الدكتورة كفاية ملك، فنسبة كبيرة أخرى خرجت من باب رفض التدخل الإدراي في قرارات فنية يختص بها الطبيب، بل ورفضا للتعسف في استخدام الصلاحيات الإدارية كنوع من العقاب كما يراه البعض.

ومع إيماني بحساسية موضوع الدكتورة كفاية وما يراه كثيرون من ظلم وقع عليها، فهناك الكثير من القضايا التي سبقت قضيتها وتعرض فيها أطباء لظلم لعله أشد وطأة، لكننا لم نر أي تحرك جاد ما يثير نوعا من الاستغراب حول هذا الاعتصام، خصوصا عندما نرى تهافت البعض بالتسابق لتسجيل المواقف والإصرار على الدعوة إلى اعتصام آخر نصرة للدكتورة كفاية، وكأن كل قضايا وزارة الصحة على مدى العقود الماضية اختزلت بهذه القضية التي لا أختلف على استحقاقها من حيث المبدأ. بل ما يثير الدهشة أيضا أنه وبعد يومين فقط من اعتصام الأطباء اﻷول طالعتنا وسائل الإعلام بخبر اعتداء مواطن كويتي بالضرب على طبيبة عربية في إحدى المراكز الصحية دون أن نرى أي تفاعل من اﻷوساط الطبية تضامنا مع الطبيبة الضحية، وكأن "تكفخ" اﻷطباء صار أمرا اعتياديا في بلدنا الحبيب، ما أثار لدي تساؤلا (ماذا لو كان "الطاق" نائبا في المجلس و "المطقوق" طبيبا كويتيا؟)

لقد حان الوقت اليوم وبعد أن خرج اﻷطباء عن قمقم صمتهم أن يكثفوا جهودهم لنيل مطالبهم المستحقة بالوسائل المشروعة لا سيما بإعادة الروح للجمعية الطبية من خلال اختيار باعتبارها الممثل الشرعي لهم وبالتالي الضغط على أصحاب القرار نحو سن قوانين كقانون التأمين على اﻷطباء ضد أخطاء المهنة وغيرها من التشريعات التي من شأنها حفظ حقوقهم ضد من ينتهكها. أما من يؤثر الجلوس في جحره ويكتفي ب"التحلطم" فلا يلومن إلا نفسه.

28‏/10‏/2013

(دكا سيشو) .. والحقيقة المؤلمة

عندما بدأ في عام 1972 كان عبارة عن مستشفى طاقته تقدر ب 50 سرير، وبفضل الجهود المخلصة والرؤية الثاقبة أصبحت الطاقة السريرية في عام 2011 تفوق ال 550 سرير (أي حوالي 50% من طاقة مستشفى جابر) شاملا أغلب تخصصات الأطفال - لاحظ فقط الأطفال - عدا العيادات الخارجية وقسم الطوارئ ومركز تخصصي للثلاسيميا (أنيميا البحر المتوسط) وآخر للطب التطوري، إلى جانب معهد للدراسات العليا يشرف على تدريب الأطباء وتخريجهم كاختصاصيي أطفال. ليس هذا وصفا لمستشفى في ولاية أمريكية، ولا مدينة أوربية، بل هي حقائق عن مستشفى (دكا سيشو) للأطفال في العاصمة البنغلاديشية دكا. أما في الكويت، بلد الخيرات والنفط والذي يعيش فيه أكثر من 180ألف بنغلاديشي حسب آخر احصائية من أجل لقمة العيش، فحتى اليوم لا نملك مستشفى واحد تخصصي للأطفال كالذي في بنغلاديش.

وجود مستشفى أطفال تخصصي متكامل قادر على توفير مختلف أوجه الرعاية هو ضرورة في كل بلد متحضر يدعي اهتمامه بحقوق الطفل والأسرة. فمن غير المعقول بل ليس من الإنسانية أن يضطر الطفل وأبويه لل"تشنطط" بين المستشفيات لحضور عيادة هذا الاستشاري أو إجراء ذاك الفحص أو تلك العملية بسبب توزيع التخصصات بين المستشفيات الحكومية لا سيما في ظل ندرة عدد اختصاصيي اﻷطفال. فعيادات القلب مثلا غير موجودة إلا في المستشفى الصدري، واﻷعصاب بين مبارك والصباح، والجهاز الهضمي إما بالعدان أو اﻷميري، والجراحة فقط في ابن سينا، إلى آخره من التخصصات. ولك أن تتخيل ما قد تسببه هذه الفوضى من تأخير أو تأجيل لبعض الإجراءات والمواعيد وتعذر التواصل السهل بين اﻷطباء والتي تنعكس سلبا أولا وأخيرا على نفسية الطفل وأبويه. ورغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها بعض الأقسام والإدارات المختلفة من أجل تذليل هذه الصعوبات، سيبقى هامش الخطأ أكبر طالما لم تنضوي هذه الاختصاصات المختلفة تحت مظلة واحدة تجعل التنظيم أكثر سلاسة.

ويبدو أن الحكومة وبعد أكثر من نصف قرن من انطلاق الخدمات الصحية الحكومية فطنت لهذا الأمر فقررت أن تبني مستشفى أطفال أخيرا، لكننا فوجئنا بقرار وزير الأشغال الحالي إلغاء مناقصة المستشفى الموعود - إلى جانب 3 مستشفيات أخرى - لأسباب ما تزال غير واضحة وتدور حولها العديد من الشبهات. فالأشغال تلقي اللوم على الصحة، والصحة تلقيها على الأشغال، وبين هذا وذاك لم نر للسلطة التشريعية والرقابية أي تحرك جاد بالموضوع لتبقى "الطاسة ضايعة".

مخجل أن يكون بلدي النفطي بمقوماته المادية الهائلة لا يملك مستشفى أطفال بإمكانيات (دكا سيشو) في بنغلاديش الفقيرة، ما يكشف لنا حقيقة مؤلمة أنه مهما بلغت قيمة ثروات البلد فلن تساوي سعر "التراب" طالما من يدير تلك الثروات لا ينظر لأبعد من أرنبة أنفه. ولا عزاء ﻷطفال دولة الرفاهية.

بسنا رفاهية

أضحكني الممثل الكوميدي (ويل فاريل) عندما سأل في مقابلة قديمة مع إحدى المحطات التلفزيونية حول أكثر شخصية كوميدية تضحكه فأجاب بسخرية (الرئيس بوش) - يقصد به الابن بوش - الذي عرف بكثرة أخطائه اللغوية في خطاباته الرئاسية. لا أعلم مالذي كان سيقوله فاريل لو كان يعيش في عالمنا العربي واستمع ل"زنقات" المخلوع القذافي أو "بدليات" المعزول مرسي أو غيرهم من الساسة الذين ارتبطت أسماؤهم باللقطات الكوميدية. ولعل (فاريل) كان سيتعرف على المعنى الحقيقي للدراما السياسية لو كان يعيش بيننا، فحين تقرأ عن لسان سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ جابر المبارك أن (دولة الرفاه انتهت) ستختلط لديك مشاعر الضحك والبكاء والغضب والحسرة والإحباط، ليجمع بهذه الكلمات الثلاث جميع أشكال الفن السياسي من كوميديا وتراجيديا وفنتازيا وغيرها.

لكن قبل أن أسألك يا سيدي الرئيس عن أي رفاه هذا الذي انتهى، اسمحلي أن أسألك: عن أي دولة تتحدث؟ فما أعرفه أن قوام أي دولة هو القانون، وأتمنى عليك يا سمو الرئيس أن تنزل للشارع وتسأل أي شخص عن تطبيق القانون ليعطيك الجواب الشعبي الخالص (أي قانون أي بطيخ يا عمي؟). فما تجرأ الشعب على الدولة أو القانون إلا عندما وجده يطبق على "ناس وناس"، فكثر الفاسدون وامتﻷت البطون  وانتفخت الكروش بأكياس القروش، فلم تبق لهيبة الدولة باقية. وعندما قررت الدولة تطبيق القانون على الجميع وإيقاف أنابيب الواسطة عن المتنفعين، خلقتم لنا معارضة لا تقل فسادا عن الأجهزة الحكومية، فدخلت الدولة في متاهة أكبر تلبس فيها الباطل حقا والحق باطلا، إلا ما رحم ربي.

ثم أي رفاه هذا يا سمو الرئيس؟ هل من الرفاهية أن يدفع المواطن صاحب الدخل المتوسط ما يقرب من نصف راتبه لإيجار شقة بانتظار أرض لا يعلم كيف يدبر المال لها ليبني بيت الأحلام؟ أم من الرفاهية أن يضطر لإدخال أبنائه في مدارس التعليم الخاص لما وجده من رداءة وفساد في التعليم الحكومي؟ أم أن الرفاهية هي تلك التي دفعت المواطن ليكون فريسة لشركات التأمين والمستشفيات الخاصة بسبب الحالة المرضية المزرية التي يعيشها القطاع الصحي؟ أم أنها الرفاهية التي حجبت عنا حتى منظر البحر الجميل بسبب الشاليهات والمنتزهات الخاصة؟ هل وجود صندوق باسم "المعسرين" من مظاهر الرفاهية؟! أرجوك يا سيدي أن تدلني على تلك الرفاهية التي كنت غافلا عنها حتى أترفه سويعات قبل أن تنتهي. إلا أن كنت يا سمو الرئيس تقصد بكلمتكم الطبقة المرفهة فعلا من التجار والشيوخ، فدعني أقول لك يا سيدي بأن هؤلاء لم ولن ييئسوا من "رفاهية" وطنهم!

طيش (حسينو) ضيع فلوس (سعد) من بعد ما كان يقول له (بسنا فلوس) .. ويبدو أن طيش الحكومات أجبرت سمو الرئيس أن يقول (بسنا رفاهية). ويا ماشي بدرب الزلق لا تامن الطيحة.

19‏/10‏/2013

فيرغسون .. ومطار الشهيد صدام

"يستاهل السير .. بس زين انه مو بالكويت!!"
هذا كان لسان حالي وأنا أتابع خبر كشف السير - الفارس بالعرف الملكي البريطاني - أليكس فيرغسون للافتة أحد الشوارع بمدينة مانتشستر الإنجليزية والتي حملت اسمه كتكريم لهذا الشخص الذي بات اليوم أعظم المدربين في عالم كرة القدم بل ومن أعظم الشخصيات الرياضية على الإطلاق. ولا شك أن شهرة مدينة الشمال الإنجليزي تدين بفضل كبير لناديها اﻷحمر الذي اخترقت علاماته التجارية أسواق العالم من شرقه لغربه، والنادي بدوره يدين بفضل أكبر للرجل الاسكتلندي (السير أليكس) لما وصل إليه من عالمية في هذا الزمن، فكان من الطبيعي أن تخلد المدينة بأسرها اسمه بإطلاقه على أحد شوارعها نظير خدماته وإخلاصه على مدى ما يقرب من ربع قرن.

لكن ماذا لو كان فيرغسون كويتيا؟ بل عربيا من أبناء وطننا العربي الكبير؟ فلو رأيناها من زاوية الرياضة التي ينتمي إليها، لوجدنا الفارس أليكس "يفتر" على دواوين ومجالس الوجهاء من شيوخ ونواب وتجار وغيرهم يستعطف ما تجود به أياديهم من حفنة أموال لإقامة حفل اعتزال في استاد "كحيان" بحضور جماهيري لا يتجاوز عدده معازيم في صالة أفراح! أما على المستوى الرسمي للدولة، فحدث ولا حرج، ولنتناول جانب إطلاق اﻷسماء على الشوارع كمقارنة! فرغم ما يتغنى به أعضاء المجلس البلدي المعنيين بهذا المجال من التزام بضوابط ولوائح لإطلاق التسميات على شوارع ديرتنا، ما زلنا نرفع علامات الاستغراب والاستفهام كلما مرت أعيننا على بعض لافتات الشوارع، وكأن تاريخنا لا يزخر بأسماء كتبت بماء الذهب من شهداء ومبدعين في مجالات مختلفة أولى من بعض من نقرأ أسماءهم في طرقنا ومناطقنا.

وليت اﻷمر يقتصر على تاريخنا المحلي، بل الإهمال طال حتى تاريخنا العربي والإسلامي، فحين يغيب اسم تابعي وأحد أئمة العلم كسعيد بن جبير رضي الله عنه ويرفع اسم قاتله السفاح والظالم الحجاج بن يوسف الثقفي بدلا منه تعلم أننا نعيش أزمة مفاهيم. وطالما أصبحنا نخلد القتلة - والسالفة خاربة خاربة - فلن أستبعد أن يأتي بعد قرن من الزمان من يطلق على مطار الكويت الدولي مثلا اسم (مطار الشهيد صدام) كتكريم لخدماته لأمة العرب والإسلام. ولمن يقول بأني أبالغ فما عليه سوى أن يأخذ جولة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ليرى ما يقوله كويتيون - نعم كويتيون - من مدح لطاغية العراق المقبور ولم يمض على عدوانه السافر أكثر من 24 سنة! بل يكفي أن تنظر في أرشيف أجهزتنا الإعلامية الرسمية لترى أنها استضافت - وبكل رحابة صدر - شخصيات أبنت الطاغية ورفعت صوره دون أدنى اعتبار لمشاعر أسر الشهداء والكويتيين قاطبة.

بكل أسف أقولها: هنيئا لك يا فيرغسون أنك لم تحقق ما حققته وانت في الكويت، فنحن دولة إن كرمت شخصا انتظرت ملك الموت يوقع على شهادة وفاته أولا، وإن كرمت فهي تقدم الصغير وهو مؤخر وتؤخر العظيم وهو مقدم. ويا قلبي لا تحزن.