"بوق" .. لا تخاف !
يحكى أن مستثمرا أجنبيا أتى إلى الكويت والتقى أحد كبار التجار عارضا عليه إقامة مشروع ضخم فلما أخبره التاجر عن قيمة الصفقة صعق الأجنبي للسعر الذي أعطاه إياه التاجر، فسأله والتعجب يعلو جبينه "لم كل هذه المبالغة بالسعر لمشروع من هذا النوع؟" فأجابه التاجر بأنه سيأخذه في جولة على بعض المشاريع ليعطيه فكرة أكبر حول قيمة المشاريع في الكويت. وما إن وصلوا إلى "البر" توقفت سيارة التاجر وفتح النافذة وأشار بسبباته قائلا "أترى هذا المشروع؟" سكت الأجنبي برهة، بلع ريقه ونزل من السيارة وهو يلتفت تارة يمينا وأخرى شمالا وهو يسأل "لا أرى إلا رمالا يا رجل؟" فقال التاجر الكويتي "بالضبط.. هذا المشروع قيمته 10 ملايين دينار!!" المهم.. أن المستثمر الأجنبي ذهب إلى قطر وعمل مشروعه وبالأرباح التي جناها اشترى له بيتا في مشروع النخلة بدبي.
هذه من الطرائف التي يتداولها المواطنون في هذا الزمن والتي تعبر بسخرية عن واقع اسمه (التعدي على المال العام)، الواقع الذي أصبح سمة أساسية من سمات مجتمعنا حتى صار من الدارج أن تسمع مقولة: الكويتيون "بس شاطرين بالبوق"! بل أصبح الشعب لا يمانع من سرقة المال العام ويعتبرها من المسلمات أحيانا طالما أن وراء السرقة إنجاز لمشروع حيوي "سنع" على غرار جامعة أو مستشفى أو حتى استاد رياضي! لم يترسخ هذا الانطباع في ذهن المواطن البسيط من قبيل المصادفة أو على خلفية حادثة عابرة هنا أو هناك، بل لكثرة ما سمع وقرأ عن "بوقات" تقدر بمئات الملايين - ان لم تكن بالمليارات - خلال أكثر من عقدين من الزمن كحوادث الناقلات و الاستثمارات الخارجية وصولا إلى مجمعات تجارية وسرقة الديزل وقضية الفحم المكلسن وعقود لشركات نفطية كانت آخرها فضيحة "الداو" الشهيرة حتى وصل اﻷمر ب"الحرامية" أن سرقوا حتى "الرمال". فما أثاره رئيس لجنة الميزانيات والحساب الختامي السيد عدنان عبدالصمد حول ما أورده ديوان المحاسبة من شبهة سرقة رمال جامعة الشدادية تقدر قيمتها بالملايين ليس إلا سلسلة من حلقات المسلسل الكويتي (بوق لا تخاف)، وهي امتداد لما صرح به السيد عدنان نفسه من مخالفات مالية لمختلف مؤسسات الدولة قبل فترة قصيرة والتي على إثرها اجتمع قطبا السلطتين التشريعية والتنفيذية باللجنة ذاتها في اجتماع عد اﻷول من نوعه لبحث كيفية تلافي "الفضايح". وفي وقت كنا ننتظر فيه المسؤولين عن الجامعة ومن باب الشفافية فتح ملف تحقيق بالموضوع رأينا تسارعهم لنفي الحادثة وزيارة الموقع لتصوير الرمال الموجودة لطمأنة الشعب أن "ترابهم" بالحفظ والصون في خطوة مستغربة نوعا ما. في ذات الوقت ما زلنا نتساءل عن الإجراءات التي سيتخذها ديوان المحاسبة ومجلس اﻷمة لكشف ملابسات هذه القضية أم أن مصيرها سيكون الوأد كحال ما سبقها من القضايا المشابهة.
ستستمر حلقات المسلسل الكويتي (بوق لا تخاف) إلى ما لا نهاية طالما أن مقص الرقيب أصابه الصدأ ولا يصلح حتى ﻷن يكون مقص بيد "حلاق" ليبقى لسان حال المواطن المسكين "إذا حاميها حراميها .. بعد ما ظل بيها!"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق