قبل ستة أعوام، تشرفت بزيارة مقام السيدة زينب عليها السلام في ريف دمشق. كانت الحرب مع الإرهاب التكفيري - المدعوم أمريكيا واسرائيليا وعربيا - تلفظ أنفاسها الأخيرة، كل ذلك بفضل دماء الشهداء من أبناء المقاومة الإسلامية وأفراد الجيش العربي السوري وحلفائه، وعلى رأسهم الجمهورية الإسلامية التي نعيش هذه الأيام ذكرى انتصار ثورتها المباركة. آنذاك، كانت أصوات المدافع وإطلاق النار تصلنا بين الفينة والأخرى، بل وصلتنا أخبار عن استهداف التكفيريين لحافلة زوار قرب المدينة القديمة بعد يوم واحد من زيارتنا لها، حيث مرقد السيدة رقية بنت الإمام الحسين عليه السلام. كانت الثكنات والحواجز تملأ الطريق المؤدية إلى مرقد العقيلة في الريف.
اليوم، اختفت أصوات المدافع والرشاشات تماما، ولم يعد لمشاهد النقاط العسكرية وجود إلا النزر اليسير. الأمن يسود دمشق وريفها بفضل الله. دمشق تحديدا تعج بالحياة، صحيح أن من زار الشام قبل الحرب سيعرف مباشرة أن أمورا عديدة قد تغيرت، لكن اليوم كأن الحرب لم تكن (في الظاهر على الأقل)، بل لدرجة لا تشعر حتى بوجود شيء اسمه "كورونا" عند السوريين، خصوصا حين تتجول في "الحميدية"، حيث أفواج من الناس تتجول بين الدكاكين القديمة دون تباعد أو "اشتراطات صحية"، فهذا يعرض كتبه، وذاك "يدلل" على أنواع وأشكال من الملابس، وآخر يبيع "البليلة"، وأما طابور الانتظار على "بوظة بكداش" غير معروفة بدايته من نهايته. أما في ريف دمشق، في "الزينبية" تحديدا، لو أردت أن أعطي عنوانا واحدا لما شاهدته بين ٢٠١٦ و ٢٠٢٢، لكان ذاك العنوان هو (الفقر). الناس في هذه الأحياء يعيشون دون هامش الحياة، دون خط الفقر بأميال. ما خلفته الحرب عليهم لا يمكن لكلمات أن تصفه، لا سيما في هذا الشتاء القارس. وسائل التدفئة نادرة، والكهرباء لا تزور البيوت إلا دقائق في ال٢٤ ساعة (دون مبالغة). مع كل ذلك، فالناس "عايشة"، أطفال يلعبون ب"الطابة"، وصوت طلبة المدارس وهم يهتفون نشيد الصباح يملأ الآذان، وغيرها من صور الحياة. لكن ما ظهر لي لا يقارن بما خفي، فالله وحده أعلم ما صنعته الحرب في أبناء هذا البلد.
في هذا الرحلة أيضا، وفقنا لزيارة مرقد الصحابي الجليل حجر بن عدي في منطقة(عدرا) في الريف الشمالي الشرقي لدمشق. هذا المرقد الشريف الذي لطخته أيادي أحد عشر من أبناء البغايا حين حاولوا نبشه، فعاجلهم الله بقذيفة "سجيلية" أردتهم صرعى، قبل أن تسحبهم الكلاب خارج المقام لتنهشهم. في عدرا وعلى طريقها، صور شتى من آثار الحرب، ما زالت قائمة إلى يومنا هذا، كلما تذكرتها ورجعت إلى معرض الصور في "الموبايل"، حمدت الله كثيرا على نعمة الأمن والأمان الذي نعيشه، أدامها الله علينا.
سوريا وابناؤها كانوا وما زالوا ضحية مؤامرة كونية، حرب أعادتهم ١٠٠ سنة أو يزيد إلى الوراء، والله وحده أعلم متى وكيف ستعود كما كانت. هكذا هي الحروب، مهما كانت أسبابها ودوافعها، فالنتائج قطعا تكون وخيمة. وها هي اليمن، مشهد جديد قديم لحرب دخلت عامها الثامن، وليس من أفق لنهايتها، فأي دمار و خسائر ننتظر كي تضع أوزارها؟
ختاما أدعو كل من يستطيع أن يقوم بزيارة إلى مقام السيدة زينب سلام الله عليها أن يفعل في أقرب فرصة. مصطحبا أسرته، أبناءه أو أحفاده، ليس لأجل ثواب الزيارة العظيم وحسب، بل كي يشاهد أبناؤنا هذا الجزء من العالم على حقيقته، بل لعلي أستطيع القول بأن هذا العالم هو الحقيقة، وأن ما نعيشه من "ترف" و"بذخ" أحيانا، هو أقرب إلى الزيف. دعوهم يروا بأم أعينهم، كيف يعيش نظراؤهم وأقرانهم في هذه البلاد، دعوهم يعيشوا شيئا بسيطا جدا من حقيقة الفقر والبرد والجوع والخوف الذي عاشه وما يزال آلاف الأطفال والمراهقين في هذا العالم. ثم بعد ذلك علموهم قيمة شكر النعمة التي هم فيها، فالنعمة "زوالة".
فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر إلى شكر؟! فكلما قلت: لك الحمد وجب علي لذلك أن أقول: لك الحمد
فبراير ٢٠٢٢
منطقة السيدة زينب - ريف دمشق