لا أتذكر المرة الأولى التي استمعتُ فيها إليك، وأيَّ خطابٍ كان. ولا أتذكرُ أولى مُقابلاتك التي تابعتها على الشاشة من ألِفها إلى يائها ومن أي زمان. لكنني اليوم أعلم جيدا، أنني في كل زماني الذي عشته، ومذ أصبحتُ مدركا لكل ما حولي، فإني لا أتذكر أنني استعمت إلى من هو أكثر منك بلاغةً، ولا أقوى منك حُجةً، ولا أفصحَ منك منطقاً، ولا أوضحَ منك بيانا.
لو كنت أعلم يا أبا هادي أن خطابك الأخير كان هو الأخير فعلا، لتضرعت إلى الله عز وجل ألا يبقيني إلى هذا اليوم. وكيف يرجو البقاء من ضاقت به الدنيا ولم يعد يرها كما كانت بعد فقدك؟ قد يصف البعض ما أقوله مبالغةً، لكنه حالُ من فقد "أباه" فجأة دون سابق إنذار ! نعم، كنت يا سيدي "أبا" ، وليس الأب من أنجب وحسب! ألم يُروى عن نبي الأمة مخاطبا جدك أمير المؤمنين قائلا "يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمة"؟ فهي أبوة التربية و الشفقة ،ونحن قد تربينا فعلا على صوتك وخطابك.
أنت يا أبانا، ربيتَ فينا دروسا من عاشوراء والحسين وزينب والعباس لم نكن نعرفها إلا بجانبها النظري، فسجدتها لنا عملا وتطبيقا.
أنت يا أبانا من ربيت فينا "القُدس" و"الكرامة" و "النصر" و"الانتصار للمظلوم" و"مقارعة المستكبرين" و"الإيثار على النفس" و"الأمر بالمعروف" و"النهي عن المنكر" و"الاهتمام بشؤون الناس والمسلمين". واليوم بفقدك، فقدنا الأبَ الذي يُشفقُ علينا ويزيدنا قوةً وصبراً وجلداً، في زمنٍ صار الخنوع للطغاة والمستكبرين "طريق السلامة".
لم تكن "أبا" مربيا وحسب، بل كنت تجليّا من تجليات عترة النبي المصطفى، بخُلُقك، ومنطِقك، وبأسك، وعطفك، وبفقدك فقدنا هذا النور المُحمّدي.
لم تكن كأي عالِمٍ، إن مات ثُلِم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة، بل كنت ركناً لهدى الناس في زمن الجهالة وحيرة الضلالة، وقد تهدم هذا الرُّكنُ بشهادتك.
لكن عزاؤنا فيك يا ابن الحسين، أنْ خِير لك مصرعٌ أنت لاقيه، قتلا على يد طغاة العصر، قادة أمريكا وإسرائيل. فقد كنا نرى في وجهك ونسمع من صوتك، ولهاً إلى أصحابك الذين قضوا على طريق القدس، وشوقاً إلى أسلافك من آل بيت النبوة، اشتياق يعقوب إلى يوسف. فأنت الذي بذلت في سبيل القدس مُهجتك، ووطَّنت على لقاء الله نفسك، فرحلت عن هذه الدنيا تاركا فينا إرثك العظيم.
فيا أيها العزيز، إن كان قد مسنا بفقدك الضر، ضر الفراق ولوعة الاشتياق، فإنك أورثتنا بضاعة غير مزجاة من الصبر على مواجهة الصعاب والثبات على المبادئ، وأوفيتَ لنا من كيلِ العزة والكرامة، وتصدقت على أُمّتنا بنصرٍ لم تكن لتحلم به يوما، والله يجزي المتصدقين خير العاقبة.
رجائي الوحيد يا سيدنا، وأنا الذي كانت أمنيتي في الدنيا لقياك وتقبيل ما بين عينيك، أن يُعرِّفني الله وجهك في الآخرة فأنال بذلك خيرها، والآخرة خير وأبقى.
فالسلام عليك يا أبانا يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيا في الدنيا لتصلي في القدس مع قائم آل محمد، ثم يبعثك أخرى في دار الخلود مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
عظم الله أجورنا ومبارك لأمتنا شهادتك
من يرجو لقاءك،
عبدالله