16‏/2‏/2015

الوطن العميل

عندما عاد سمير القنطار - عميد الأسرى اللبنانيين - ورفاقه إلى وطنهم في يوليو (تموز) من العام 2008 بعد سنوات عجاف في غياهب السجون الإسرائيلية، كان لسماحة الأمين العام السيد حسن نصرالله كلمة لا تزال عالقة في ذهني. قال بما معناه أنه لا يؤمن بالصدف، فالمشيئة الإلهية اقتضت أن يكون تحقيق الوعد بعودة الأسرى في نفس اﻷيام التي قام حزب الله فيها بأسر جنديين من جنود الصهاينة في يوليو من العام 2006، أي بعد سنتين تماما من قيام المقاومة بعمليتها النوعية والتي قادها الشهيد عماد مغنية.

تذكرت هذا الموقف وانا أتابع خبر إغلاق المطبعة الثانية لإحدى الصحف، والتي شاءت القدرة الإلهية - وليست الصدفة - أن يكون إغلاقها في نفس الأيام التي بدأت من خلالها تلك الصحيفة حملتها الهوجاء التحريضية ضد مجموعة من المواطنين والمقيمين ممن أبنوا القائد في حزب الله عماد مغنية الذي اغتيل بيد الصهاينة، وكان من أثر تلك الهجمة الشعواء التي شنتها جريدة "الشيخ" أن تم إحالة العشرات إلى النيابة العامة يتقدمهم في ذلك رموز من التحالف الإسلامي الوطني كالشيخ حسين المعتوق والنائبين عدنان عبدالصمد وأحمد لاري والنائبين السابقين د. ناصر صرخوه ود. عبدالمحسن جمال إضافة إلى الوزير السابق د. فاضل صفر. كانت جريدة "الشيخ" وكتابها بل وحتى تلفزيونها رأس الحربة في حالة الاحتقان التي شهدتها البلاد آنذاك والتي وصلت لحد الطعن بشرف وولاء المواطنين، وكان من آثار تلك الهجمة أيضا أن استسلم لردح أصحابها أقرب الناس آنذاك للتحالف الإسلامي وأعني بذلك التكتل الشعبي يتقدمهم النائبين السابقين أحمد السعدون ومسلم البراك. فلم يستطع هؤلاء من أن ينأو بأنفسهم من سموم الصحف الصفراء فاتخذوا القرار "الصعب" - كما عبر عنه البراك - بطرد عبدالصمد ولاري من عضوية التكتل، دون اعتبار لسنوات العمل المشترك أو حتى احتراما لحرية الرأي التي كان وما يزال البراك والسعدون يتباكون دفاعا عنها.

وإن كانت الصحيفة "الغراء" في 2008 قد وجهت سهامها للداخل، فهي في 2006 كانت تتقدم وسائل الإعلام الكويتية خصوصا والعربية عموما في الهجوم على حزب الله إثر عملية الرضوان - نسبة للحاج رضوان، الاسم الحركي لعماد مغنية - حتى وصل اﻷمر ﻷن تستشهد وسائل إعلام ومواقع عبرية بمقالات كتابها "الكويتيين" في سياق حربها الإعلامية ضد لبنان وحزب الله. ولا يقتصر الأمر على المقاومة في لبنان، فتاريخ صحيفتنا "الوطنية" وكتابها في الهجوم على فصائل المقاومة الفلسطينية وتسميتها بالإرهابية وتبريرها للهجوم الصهيوني على غزة في عدة مناسبات هو تاريخ مشهود، ما يجعلنا نتساءل حقا عن سر العداء الذي تكنه جريدة "الشيخ" لفصائل المقاومة في العالم العربي!

"الدنيا دوارة" ولا طريق للصدفة فيها، فكما باركت صحيفة "الشيخ" وبعض "الفداوية" القبض على مؤبني مغنية في أزمة وصفها القضاء ب(حرية رأي)، ها هي تكتوي بنار الداخلية مظهرة نفسها بمظهر "الضحية" لما تسميه "تكميم اﻷفواه". لا يسعني القول في هذا الصدد إﻻ "اللهم لا شماتة" لما حدث لصحيفة "الشيخ" التي اشتهرت بسواد صفحاتها حين يتعلق الأمر بمقاومة إسرائيل، والفال لصحيفة "العميد".

10‏/2‏/2015

اليتيم الذي قهر ملك الملوك

أكتوبر من العام 1972 شهد أحد أضخم احتفالات العالم آنذاك بمناسبة مرور 2500 عام على قيام الإمبراطورية الفارسية، ذاك الاحتفال الذي وصف بأنه من زمن الأكاسرة والقياصرة والذي أقامه الشاهنشاه "ملك الملوك" محمد رضا بهلوي بحضور أكثر من 80 زعيم من زعماء دول العالم، لكنها سخرية القدر ألا يجد الإمبراطور بهلوي أيا من أولئك الزعماء الذين استضافهم على موائد الكافيار وأعتق أنواع النبيذ ليرحب به في بلده بعدما غادرها مرغما ومكسورا إثر بلوغ الثورة الإسلامية أوجها في يناير من العام 1979. حتى الولايات المتحدة حليفه الأول والتي كانت تعد الشاه "شرطيها" المخلص في المنطقة قد أوصلت رسالتها له عبر سفير إيران في واشنطن بأن قدومه ﻷمريكا لم يعد مرحبا به. لم يجد سوى الرئيس السادات بعدما ضاقت السبل به، لدرجة أنه حتى المكسيك لم تكن راغبة بقدوم الشاه إليها!


في المقابل، كان الشيخ الذي يناهز من العمر 80 عاما قد أعد العدة وركب طائرة (air france) من طراز جامبو عائدا إلى وطنه الذي نفي منه قبل 14 عاما، عاد روح الله ليعيد الروح إلى بلد عانى ما عانى من الظلم والقهر والفقر، بلد كان فيه الشاه وأهل بيته وحاشيته يسرحون ويمرحون دون حسيب ولا رقيب لدرجة أن المصادر تذكر أن ممتلكات مؤسسة بهلوي وحدها والتي كان الشاه يترأسها تبلغ أكثر من 3 مليارات دولار، هذا عدا عن تحكم الشاه وأسرته في صناعة الأسمنت والقطاع المصرفي والسياحة وغيرها، كل ذلك في وقت كانت الطبقات الفقيرة والوسطى تعاني ما تعانيه من البطالة والجوع، والويل كل الويل لمن يحتج أو يعارض ذاك النظام، فسياط جهاز المخابرات (السافاك) والمشهور بوحشيته كانت جاهزة لتقطع ألسن المعارضين.


كان روح الله يعلم يقينا أن عدوه اﻷول لم يكن الشاه وديكتاتوريته، لم يكن السافاك بسوطه وكرباجه أو الجيش بمدفعيته، بل كانت أمريكا. ف"الشيطانية" اﻷمريكية باختلاف الرؤساء هي من كانت ترعى الشاه ونظامه، فالرئيس كارتر - آخر رؤساء أمريكا في عهد الشاه - وصف إيران بأنها "جزيرة من الاستقرار تحت القيادة الملهمة لجلالة الشاه" ليلة الاحتفال برأس السنة في طهران، رغم أن شوارع العاصمة وبقية المدن كانت تموج بالاحتجاجات وسجون المخابرات كانت تعج برائحة دماء المعارضة. لم تكن أمريكا تأبه لغياب الديمقراطية التي تتغنى بها عن حياة الإيرانيين ولا لانتهاك حقوق الإنسان فيها رغم علمها بتقرير منظمة العفو الدولية الذي قدر عدد السجناء السياسيين في إيران أكثر من 7500 سجين آنذاك، فقد كان هم الإدارة الأمريكية دعم هذا النظام فقامت بفتح بازار اﻷسلحة للشاه حتى بلغ انفاق إيران على السلاح إلى أكثر من 4 مليارات دولار في السنة في مقابل فتح الشاه لصنبور النفط للشركات اﻷمريكية وذلك كجزء من حرب أمريكا الباردة مع الاتحاد السوفيتي. أما على صعيد الشرق اﻷوسط فحرصت أمريكا على تدعيم العلاقة الوثيقة بين نظام الشاه - اﻷقوى في المنطقة - وإسرائيل والتي كانت ما تزال في طور النمو. ففي وقت كان الصراع العربي-الإسرائيلي في أوجه، كان الشاه يتبادل المصالح مع حكومة تل أبيب حتى قدر حجم التجارة بين الطرفين حوالي 400 مليون دولار بالسنة، ناهيك عن استعانة الشاه بالخبرات العسكرية للإسرائيليين حتى أنه كان يرسل بعثات خاصة من الحرس الملكي لتلقي التدريب في إسرائيل.


ﻷجل ذلك كله لم تكن ثورة الإمام الراحل والتي نعيش ذكراها السادسة والثلاثين مجرد ثورة على نظام مستبد انغمس في ملذات الدنيا وحول بلدا إسلاميا إلى مرتع لمظاهر الفسق و الفجور، لم تكن ثورة الخميني لأجل ارساء الديمقراطية والحرية والعدالة وحسب، بل كانت ثورة عابرة للقارات تحدت أكبر قوة في العالم وغيرت حسابات المنطقة والعالم إلى الأبد فباتت إيران اليوم هي الرقم الأصعب في المنطقة، وباتت سياستها تقض مضاجع الساسة في واشنطن وتل أبيب تحديدا. لم يكن ذلك كله ليتحقق لولا (روح الله) اليتيم، الرجل الذي لم يكن يملك من متاع الدنيا - كما يعبر الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل - سوى "الدوشق" الذي ينام عليه وصندوق ملابسه ومجموعة كتبه. إنها روح من الله استلهمت من عاشوراء فكرها الثوري فحطمت تاج الشاه وضعضعت عرش الاستكبار العالمي، فسلام على تلك الروح يوم نفخت ويوم ارتفعت ويوم تبعث جسدا.