أكتوبر من العام 1972 شهد أحد أضخم احتفالات العالم آنذاك بمناسبة مرور 2500 عام على قيام الإمبراطورية الفارسية، ذاك الاحتفال الذي وصف بأنه من زمن الأكاسرة والقياصرة والذي أقامه الشاهنشاه "ملك الملوك" محمد رضا بهلوي بحضور أكثر من 80 زعيم من زعماء دول العالم، لكنها سخرية القدر ألا يجد الإمبراطور بهلوي أيا من أولئك الزعماء الذين استضافهم على موائد الكافيار وأعتق أنواع النبيذ ليرحب به في بلده بعدما غادرها مرغما ومكسورا إثر بلوغ الثورة الإسلامية أوجها في يناير من العام 1979. حتى الولايات المتحدة حليفه الأول والتي كانت تعد الشاه "شرطيها" المخلص في المنطقة قد أوصلت رسالتها له عبر سفير إيران في واشنطن بأن قدومه ﻷمريكا لم يعد مرحبا به. لم يجد سوى الرئيس السادات بعدما ضاقت السبل به، لدرجة أنه حتى المكسيك لم تكن راغبة بقدوم الشاه إليها!
في المقابل، كان الشيخ الذي يناهز من العمر 80 عاما قد أعد العدة وركب طائرة (air france) من طراز جامبو عائدا إلى وطنه الذي نفي منه قبل 14 عاما، عاد روح الله ليعيد الروح إلى بلد عانى ما عانى من الظلم والقهر والفقر، بلد كان فيه الشاه وأهل بيته وحاشيته يسرحون ويمرحون دون حسيب ولا رقيب لدرجة أن المصادر تذكر أن ممتلكات مؤسسة بهلوي وحدها والتي كان الشاه يترأسها تبلغ أكثر من 3 مليارات دولار، هذا عدا عن تحكم الشاه وأسرته في صناعة الأسمنت والقطاع المصرفي والسياحة وغيرها، كل ذلك في وقت كانت الطبقات الفقيرة والوسطى تعاني ما تعانيه من البطالة والجوع، والويل كل الويل لمن يحتج أو يعارض ذاك النظام، فسياط جهاز المخابرات (السافاك) والمشهور بوحشيته كانت جاهزة لتقطع ألسن المعارضين.
كان روح الله يعلم يقينا أن عدوه اﻷول لم يكن الشاه وديكتاتوريته، لم يكن السافاك بسوطه وكرباجه أو الجيش بمدفعيته، بل كانت أمريكا. ف"الشيطانية" اﻷمريكية باختلاف الرؤساء هي من كانت ترعى الشاه ونظامه، فالرئيس كارتر - آخر رؤساء أمريكا في عهد الشاه - وصف إيران بأنها "جزيرة من الاستقرار تحت القيادة الملهمة لجلالة الشاه" ليلة الاحتفال برأس السنة في طهران، رغم أن شوارع العاصمة وبقية المدن كانت تموج بالاحتجاجات وسجون المخابرات كانت تعج برائحة دماء المعارضة. لم تكن أمريكا تأبه لغياب الديمقراطية التي تتغنى بها عن حياة الإيرانيين ولا لانتهاك حقوق الإنسان فيها رغم علمها بتقرير منظمة العفو الدولية الذي قدر عدد السجناء السياسيين في إيران أكثر من 7500 سجين آنذاك، فقد كان هم الإدارة الأمريكية دعم هذا النظام فقامت بفتح بازار اﻷسلحة للشاه حتى بلغ انفاق إيران على السلاح إلى أكثر من 4 مليارات دولار في السنة في مقابل فتح الشاه لصنبور النفط للشركات اﻷمريكية وذلك كجزء من حرب أمريكا الباردة مع الاتحاد السوفيتي. أما على صعيد الشرق اﻷوسط فحرصت أمريكا على تدعيم العلاقة الوثيقة بين نظام الشاه - اﻷقوى في المنطقة - وإسرائيل والتي كانت ما تزال في طور النمو. ففي وقت كان الصراع العربي-الإسرائيلي في أوجه، كان الشاه يتبادل المصالح مع حكومة تل أبيب حتى قدر حجم التجارة بين الطرفين حوالي 400 مليون دولار بالسنة، ناهيك عن استعانة الشاه بالخبرات العسكرية للإسرائيليين حتى أنه كان يرسل بعثات خاصة من الحرس الملكي لتلقي التدريب في إسرائيل.
ﻷجل ذلك كله لم تكن ثورة الإمام الراحل والتي نعيش ذكراها السادسة والثلاثين مجرد ثورة على نظام مستبد انغمس في ملذات الدنيا وحول بلدا إسلاميا إلى مرتع لمظاهر الفسق و الفجور، لم تكن ثورة الخميني لأجل ارساء الديمقراطية والحرية والعدالة وحسب، بل كانت ثورة عابرة للقارات تحدت أكبر قوة في العالم وغيرت حسابات المنطقة والعالم إلى الأبد فباتت إيران اليوم هي الرقم الأصعب في المنطقة، وباتت سياستها تقض مضاجع الساسة في واشنطن وتل أبيب تحديدا. لم يكن ذلك كله ليتحقق لولا (روح الله) اليتيم، الرجل الذي لم يكن يملك من متاع الدنيا - كما يعبر الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل - سوى "الدوشق" الذي ينام عليه وصندوق ملابسه ومجموعة كتبه. إنها روح من الله استلهمت من عاشوراء فكرها الثوري فحطمت تاج الشاه وضعضعت عرش الاستكبار العالمي، فسلام على تلك الروح يوم نفخت ويوم ارتفعت ويوم تبعث جسدا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق