22‏/2‏/2014

حكومة "الرفق بالحيوان"

كعادتي السنوية اصطحب أطفالي لزيارة حديقة الحيوان ليستمتعوا برؤيتها وإطعام بعضها في يوم عائلي خفيف بعيدا عن هموم عالم الإنسان. غير أن هذه المرة كانت مختلفة عن سابقاتها، فما إن وصلنا إلى أطراف منطقة العمرية حيث تقع الحديقة فإذا برائحة العود والبخور وعبير الزهور وأزكى أنواع العطور قد هبت مع الرياح القادمة من جهة الحديقة. ترجلنا عن السيارة وعلامات الاستغراب تعلو وجوه أطفالي، دخلنا من البوابة التي ازدانت بألوان الزينة، وأخذنا نتجول في الحديقة وكأننا ندخلها للمرة اﻷولى. فلم تعد ذاك المكان "اللي يفشل"، كانت الأقفاص أشبه بحدائق اﻷمراء والملوك والحيوانات تتمخطر وحولها أقراني من بني الإنسان يدلولنها ويلاعبونها، حتى اﻷسد تغير علينا، لم يعد ذاك اﻷسد الهزيل اﻷشبه بمدمن المخدرات، بل "بسم الله ما شاء الله" أصبح "متبت" وحوله عشرة "يمشطونه" وعشرة "يهمزونه" واللبؤات يتمايلن أمامه كل واحدة منهن تقول "الزود عندي".

هكذا صور لي الخيال زيارتي القادمة إلى حديقة الحيوان بعد قرائتي لخبر إحالة حكومتنا الرشيدة قانون (الرفق بالحيوان) الجديد إلى مجلس اﻷمة. القانون الذي نص في مختلف مواده على ضرورة توفير المأوى الآمن والغذاء الملائم ووسيلة النقل السليمة فضلا عن الخدمات الصحية الخاصة بالحيوانات، ومعاقبة من يخالف نصوص هذا القانون بغرامة تصل إلى الألف دينار أو الحبس لمدة سنة. نعم، من الضروري في أي بلد متحضر محكوم بنظام المؤسسات - فضلا عن كونه بلدا مسلما - ألا يغفل عن أهمية تنظيم القوانين الخاصة بالحيوانات وكنت وما زلت دائما من الداعمين لهكذا خطوات لما لذلك من أهمية على مختلف الأصعدة كالبيئة والتعليم والصحة والتجارة وغيرها، وأي إخلال بهكذا قوانين قد يترتب عليه آثار سلبية في المجالات السالفة الذكر. لكن يبدو أن حكومتنا الرشيدة قد أضاعت بوصلة أولوياتها، فبدل أن تجتهد ليلا ونهارا لإحالة قوانين جدية متعلقة بتحسين الوضع المعيشي "الكسيف" وتطوير النظام التعليمي "الفاشل"  ومعالجة الملف الصحي "المريض" و والنهوض بالمستوى الرياضي "التعيس" لبني البشر الذين يقطنون الكويت، نجد حكومتنا فجأة قد نزل عليها إلهام الرفق بالحيوان. فلم أتمالك نفسي من الضحك وأنا أقرأ أن المادة الثانية من القانون قد ألزمت "ملاك الحيوانات برعايتها وعدم الاضرار بها او التسبب في الم ومعاناة لها وتوفير أماكن إيواء مناسبة وعمال لرعايتها"، في حين أنني أرى يوميا معاناة اﻵلاف من المواطنين الذين يعانون اﻷمرين بحثا عن سكن - أو مأوى بلغة الحيوان - مناسب دون أن يضطر لدفع قرابة نصف راتبه إيجارا. ضحكت أكثر عندما تذكرت أنني كلما زرت أو مررت على مناطق مثل صليبية وتيماء حيث تتجسد معاناة الآلاف من البدون وأبناء الكويتيات وجدت بشرا اتخذوا من "الكيربي" أو "التشينكو" بيوتا ليسكنوها ومن أرصفة الطرق باب رزق لهم وﻷطفالهم. وانفجرت ضاحكا أكثر عندما قرأت أن غرامة من يهين موظفا أثناء تأدية عمله لا تتعدى ال500 دينار بينما تصل إلى الألف لمن يسيء معاملة الحيوان !! وباعتبار أن قانون الرفق بالحيوان الذي احالته الحكومة هو خاص بدول مجلس التعاون، فلعلنا نجد مستقبلا بعد إقرار الاتفاقية الأمنية - لا سمح الله - كويتيا مطلوبا بإحدى دول الخليج مثلا بتهمة الإساءة ل"قطو" أثناء إحدى رحلاته!

لقد ألهم الله غرابا كي يعلم علم قابيل كيف يواري سوءة أخيه هابيل بعد أن قتله، فمن سيلهم الله كي يعلم حكومتنا الموقرة كيف ترفق ببني جلدتها؟! رفقا بالإنسان يا حكومة "الرفق بالحيوان"

10‏/2‏/2014

"ريتويت" ﻵل الشيخ

"وما بعثناك إلا رحمة للعالمين" هكذا لخص الرب الجليل هوية خاتم رسله إلى البشرية مدعما هذه الهوية بقوله تعالى "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" مؤكدا على مبدأ قرآني وإسلامي عنوانه الرحمة واللين في الدعوة لرب العالمين وأنه "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". غير أن سوء فهم البعض للدين وابتعادهم عن الصراط المستقيم جعل من إسلام محمد الحنيف "دين الإرهاب" يتسم أتباعه بالغلظة والفظاظة بل يحلل قتل اﻵخرين على "الهوية". ورغم أن هؤلاء الشاذون فكريا هم قلة ممن يدين بالشهادتين إلا أنهم وخلال العقدين اﻷخيرين تصدروا المشهد العالمي بما ارتكبوه من جرائم بحق مئات بل آلاف من اﻷبرياء وكل ذلك تحت ذريعة "لا حكم إلا لله".

ويبدو أن الربيع العربي كان موعد بزوغ نجم التكفير هذا وكانت سوريا هي "أرض الميعاد" لحملة هذا النهج بمباركة سياسية غربية-عربية ومدعومة بفتاوى دينية وأموال نفطية غررت بالمئات بل الآلاف من الشباب العربي والمسلم. إلا أن اﻷشهر اﻷخيرة شهدت تحولا صريحا بالمواقف تجاه تلك الحركات "الجهادية" ولعل أبرز تلك المواقف هو ما أعلنه صراحة رئيس (هئية اﻷمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالمملكة العربية السعودية عبداللطيف آل الشيخ من أن دعوات الجهاد تلك "باطلة"، واصفا أعضاء بالهيئة بأنهم متطرفون ودعاة فتنة ولا بد من تطهير الهيئة منهم. هذا الموقف لأحد أقطاب المؤسسة الدينية في المملكة جاء متسقا مع الموقف الرسمي لها برفض القتال بالخارج والتهديد بعقوبة الحبس التي تصل إلى 20 عاما لكل من يدان بالقتال في صراع خارج أسوار المملكة بل لكل من يدعم هذا القتال ماديا أو معنويا. الموقف السعودي أيا كانت دوافعه - وإن جاء متأخرا - فله أبعاد إيجابية عدة. فمن جهة هو اعتراف ضمني بأن الحل اﻷمني ودعم الحركات المسلحة إنما هو رهان خاسر وأن لا سبيل لحل اﻷزمة السورية إلا من خلال الجلوس على طاولة التفاوض حقنا لدماء اﻷبرياء. من جهة أخرى فكلام آل الشيخ تحديدا هو إدانة صريحة لتلك الدعوات والفتاوى التي مﻷت الفضائيات ووسائل الإعلام خلال السنوات الماضية بوجوب "الجهاد" بكل صوره - ولو نكاحا - وإعلان النفير العام ودعم وتجهيز المقاتلين للحرب في سوريا.

هذا الموقف بمواجهة التطرف الديني لن تنحصر تداعياته داخل حدود السعودية بل أحسب أنه سيمتد ليشمل تلك الدعوات في المنطقة وتحديدا في الكويت. فدعوات "الجهاد" وتجهيز "الغزاة" كانت تخرج جهارا نهارا وعلى عين الحكومة ومن قبل شخصيات لها مكانة ثقيلة في المجتمع إما على الصعيد الديني أو حتى على الصعيد السياسي، وكلنا يتذكر كيف كان بعض النواب السابقين يفاخر بإرسال صوره مرتديا الزي العسكري ومطلقا الصواريخ مدينا نفسه بنفسه في الصراع الدائر بسوريا دون أدنى تدخل من الجهات الرسمية لوقف مثل هذه اﻷفعال المشينة لتعطي الانطباع السائد أن الموقف الرسمي الكويتي هو داعم للصراع العسكري، ناهيك عن "صمت الموتى" الذي مارسته الحكومة والمجلس معا تجاه بعض من يسمى باﻷكاديميين ممن دعا وعزز لثقافة نحر اﻷبرياء.

أتمنى على الحكومة والمجلس عمل "ريتويت" لمثل هذا الموقف السعودي من خلال سن وتطبيق القوانين التي تحارب وتدعو للتطرف وسفك الدماء تحت دعوات "الجهاد" الباطلة وأن يكون ذلك مقدمة لحملة تطهير الكويت من النهج التكفيري الذي أخذ يتغلغل في جسد الوطن.