كعادتي السنوية اصطحب أطفالي لزيارة حديقة الحيوان ليستمتعوا برؤيتها وإطعام بعضها في يوم عائلي خفيف بعيدا عن هموم عالم الإنسان. غير أن هذه المرة كانت مختلفة عن سابقاتها، فما إن وصلنا إلى أطراف منطقة العمرية حيث تقع الحديقة فإذا برائحة العود والبخور وعبير الزهور وأزكى أنواع العطور قد هبت مع الرياح القادمة من جهة الحديقة. ترجلنا عن السيارة وعلامات الاستغراب تعلو وجوه أطفالي، دخلنا من البوابة التي ازدانت بألوان الزينة، وأخذنا نتجول في الحديقة وكأننا ندخلها للمرة اﻷولى. فلم تعد ذاك المكان "اللي يفشل"، كانت الأقفاص أشبه بحدائق اﻷمراء والملوك والحيوانات تتمخطر وحولها أقراني من بني الإنسان يدلولنها ويلاعبونها، حتى اﻷسد تغير علينا، لم يعد ذاك اﻷسد الهزيل اﻷشبه بمدمن المخدرات، بل "بسم الله ما شاء الله" أصبح "متبت" وحوله عشرة "يمشطونه" وعشرة "يهمزونه" واللبؤات يتمايلن أمامه كل واحدة منهن تقول "الزود عندي".
هكذا صور لي الخيال زيارتي القادمة إلى حديقة الحيوان بعد قرائتي لخبر إحالة حكومتنا الرشيدة قانون (الرفق بالحيوان) الجديد إلى مجلس اﻷمة. القانون الذي نص في مختلف مواده على ضرورة توفير المأوى الآمن والغذاء الملائم ووسيلة النقل السليمة فضلا عن الخدمات الصحية الخاصة بالحيوانات، ومعاقبة من يخالف نصوص هذا القانون بغرامة تصل إلى الألف دينار أو الحبس لمدة سنة. نعم، من الضروري في أي بلد متحضر محكوم بنظام المؤسسات - فضلا عن كونه بلدا مسلما - ألا يغفل عن أهمية تنظيم القوانين الخاصة بالحيوانات وكنت وما زلت دائما من الداعمين لهكذا خطوات لما لذلك من أهمية على مختلف الأصعدة كالبيئة والتعليم والصحة والتجارة وغيرها، وأي إخلال بهكذا قوانين قد يترتب عليه آثار سلبية في المجالات السالفة الذكر. لكن يبدو أن حكومتنا الرشيدة قد أضاعت بوصلة أولوياتها، فبدل أن تجتهد ليلا ونهارا لإحالة قوانين جدية متعلقة بتحسين الوضع المعيشي "الكسيف" وتطوير النظام التعليمي "الفاشل" ومعالجة الملف الصحي "المريض" و والنهوض بالمستوى الرياضي "التعيس" لبني البشر الذين يقطنون الكويت، نجد حكومتنا فجأة قد نزل عليها إلهام الرفق بالحيوان. فلم أتمالك نفسي من الضحك وأنا أقرأ أن المادة الثانية من القانون قد ألزمت "ملاك الحيوانات برعايتها وعدم الاضرار بها او التسبب في الم ومعاناة لها وتوفير أماكن إيواء مناسبة وعمال لرعايتها"، في حين أنني أرى يوميا معاناة اﻵلاف من المواطنين الذين يعانون اﻷمرين بحثا عن سكن - أو مأوى بلغة الحيوان - مناسب دون أن يضطر لدفع قرابة نصف راتبه إيجارا. ضحكت أكثر عندما تذكرت أنني كلما زرت أو مررت على مناطق مثل صليبية وتيماء حيث تتجسد معاناة الآلاف من البدون وأبناء الكويتيات وجدت بشرا اتخذوا من "الكيربي" أو "التشينكو" بيوتا ليسكنوها ومن أرصفة الطرق باب رزق لهم وﻷطفالهم. وانفجرت ضاحكا أكثر عندما قرأت أن غرامة من يهين موظفا أثناء تأدية عمله لا تتعدى ال500 دينار بينما تصل إلى الألف لمن يسيء معاملة الحيوان !! وباعتبار أن قانون الرفق بالحيوان الذي احالته الحكومة هو خاص بدول مجلس التعاون، فلعلنا نجد مستقبلا بعد إقرار الاتفاقية الأمنية - لا سمح الله - كويتيا مطلوبا بإحدى دول الخليج مثلا بتهمة الإساءة ل"قطو" أثناء إحدى رحلاته!
لقد ألهم الله غرابا كي يعلم علم قابيل كيف يواري سوءة أخيه هابيل بعد أن قتله، فمن سيلهم الله كي يعلم حكومتنا الموقرة كيف ترفق ببني جلدتها؟! رفقا بالإنسان يا حكومة "الرفق بالحيوان"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق