27‏/6‏/2015

كي لا نكون متهمين بدماء أبنائنا !

ماذا بعد أن نفضنا عنا غبار الشهداء الطاهر؟ هذا السؤال الذي بات ملحا ويدور في خلد كل مواطن لا سيما من الشيعة يحتاج منا وقوفا وتفكيرا مليا، فما جرى لم يكن حادث انقلاب باص أو سقوط طائرة أو وقوع سقف متهالك! ما وقع جريمة قتل بشعة، عمل إرهابي لا طالما كنا نسمع عنه في بلدان مجاورة يحصد أرواح اﻷبرياء فإذا بنا نصبح على وقعه بين ظهرانينا. فالكويت قبل السادس والعشرين من يونيو 2015 كانت هدفا محتملا للإرهاب، لكنها منذ هذا التاريخ انضمت إلى خريطة الإرهاب وهدفا مؤكدا له قد يطل برأسه في أي وقت من جديد لا سيما وأن الأرضية الإرهابية مهيأة، تلك اﻷرضية التي طالما حذرنا منها لا سيما بعد وقوع 3 حوادث مماثلة في في إحساء المملكة، وطالبنا الحكومة بأن تتخذ التدابير اللازمة لدفعها إلا أنها دفنت رأسها في التراب حتى "طاح الفاس بالراس" ليودي بحياة قرابة الثلاثين من أبناء وطني واصابة اكثر من 200 ! لا أريد التركيز على الأسباب التي أدت إلى وقوع مأساة مسجد الإمام الصادق فهي تبدو واضحة وجلية للجميع، بدءا من تغذية الفكر التكفيري في عقول أبنائنا في المؤسسات التعليمية، وصولا إلى غض الطرف عمن تجاهر بدعم الإرهاب ورفع السلاح والقتال في صفوف الجماعات المسلحة، ناهيك عن التعامل الرديء والانتقائي مع تطبيق قانون الوحدة الوطنية، وفوق ذلك كله التقصير اﻷمني في التعامل مع التهديدات الإرهابية. ما أريد التركيز عليه في هذه العجالة هو كيفية معالجة كل ذلك من خلال طرح بعض النقاط التي سبق وطرحها لعله العشرات قبلي لكن أجد لزاما أن نؤكد عليها علها تصل إلى المعنيين، فكلنا اليوم مسؤول عن معالجة ما جرى وكلنا سنكون في قفص الاتهام - كل حسب مسؤوليته - ان تكررت الفاجعة لا سمح الله.

أولا: الجانب الفكري

لا شك إن ما جرى من قتل للمصلين في سجودهم إنما كان نتيجة حتمية لفكر صور هؤلاء المؤمنين على مدى سنوات بل قرون بأنهم "مشركون" و "مبتدعون". فكر مستلهم من آراء وفتاوى شيخ الإسلام ومجدده - كما يحلو للبعض تسميتهم -  فصارت أفكارهم تدرس في مناهجنا الدراسية وصار تراثهم يملئ مكتباتنا العامة والخاصة. فاﻷولوية المقدمة على كل أمر هي محاربة هذا الفكر التكفيري وهو ما يتطلب شجاعة صناع القرار ان كنا نريد انتصارا لسماحة الدين ووحدة الوطن. ومن الجدير لحاظ ما يلي من خطوات في هذا الجانب:

1- تعديل المناهج الدراسية: وهو الأمر الذي كان وما يزال مثار جدل واسع، فالتلقين بالصغر بأن الشيعة "مشركون" هو ما جعل البعض في كبره يراهم فعلا كذلك، فاسترخص دمائهم "قربة لله"!! وان كان وزير التربية الحالي اتخذ قرارا بهذا الصدد إلا أننا لمسنا مؤخرا منه تهاونا وتراجعا امام المناوئين لهذا التعديل في المناهج. أما وقد جرى ما جرى في مسجد الصوابر فلا مناص من اتخاذ القرار الجريء بتعديل المناهج وذلك بحذف كل ما من شأنه توهين مذهب أو طائفة، بل الأجدر في مجتمع متعدد الطوائف أن تدرس مادة التربية الإسلامية كل على حسب مذهبه وعقيدته في جو من تعزيز ثقافة الاختلاف والعيش المشترك، وهو اﻷمر الذي بدأت به فعلا سلطنة عمان ولنا في مناهجها اسوة حسنة.

2- كلية الشريعة: لست ممن يدعو لإغلاق هذه الكلية مع كل ما يثار حولها من أنها منبع لكثير من الأفكار المحرضة على الكراهية -والشواهد على ذلك متعددة- بل الواجب اجتثاث أصحاب الفكر التكفيري منها والعودة إلى مناهج الإسلام المتسامح كما في كثير من الجامعات العربية كاﻷزهر وغيره. بل الواجب أن يكون مذهب أهل البيت (أي مذهب الشيعة الأمامية) مما يدرس في هذه الكلية إن كانت الحكومة والمؤسسات التعليمية جادة في تعزيز الوحدة الوطنية.

3- وزارة الأوقاف: ورغم أن الاسم الرسمي للوزارة هو وزارة اﻷوقاف والشؤون الإسلامية إلا أن الواقع هو انها وزارة للشؤون الإسلامية "السنية"، فنصيب الشيعة فيها ليس إلا مجرد إدارة للوقف الجعفري وعدد "خجول" من المساجد لا يكاد يقارن بعدد مساجد أنفسنا السنة. فالمطلوب إذا أن يكون للشيعة في هذه الوزارة دور أكبر وهو ما من شأنه تعزيز الفكر المتسامح بين الطوائف. وعلاوة على ذلك يجدر بالوزارة وبقية المؤسسات الحكومية مراجعة ملفات أئمة المساجد وأصحاب تراخيص الجمعيات والمدارس وتوقيف كل من له تاريخ "أسود" بالتطاول على المذاهب والحض على الكراهية مع توقيع العقوبة عليه. ولا يفوتني التذكير بالعمل على منع الكتب والتراث المبني على الكراهية وهو اﻷمر الذي يبدو أن الوزارة بدأت به فعلا على أمل أن تستمر في هذا المسعى بشكل جدي.

4- الحسينيات: نعم، فرغم كل دعوات مراجعنا العظام لنبذ الفرقة والحفاظ على وحدة الصف الإسلامي وتحريم التعرض لرموز المذاهب الإسلامية بل والدينية الأخرى، نجد أن هناك من لا يلتفت لذلك الأمر ويضرب به عرض الحائط (عن عمد او غفلة)، فتقوم بعض المجالس الحسينية باستضافة هؤلاء الخطباء ما يثير حفيظة الطرف الآخر فيؤدي ذلك إلى مزيد من الشحن الطائفي لا سيما في عصر التواصل الالكتروني. فالفطنة تقتضي الالتفات لهذا اﻷمر والحرص على اختيار الخطباء اصحاب الطرح الهادئ كي لا تكون ذريعة بيد السفهاء ومثيري الفتن.

ثانيا: الجانب القانوني

استبشرت كغيري بإقرار قانون الوحدة الوطنية الذي أقره مجلس اﻷمة في 2012، لكن هذا القانون كعشرات القوانين خاضع للمزاج الحكومي مع غياب الرقابة الفعلية من مجلس اﻷمة على تطبيقه. وﻷني مؤمن بأن الاعتماد الكلي على الحكومة والمجلس "ما يوكل خبز" فالأولى إذا أن يقوم المواطنون بحمل هذا العبء وذلك من خلال تشكيل مجموعة (أو مجموعات)  من القانونيين والإعلاميين وظيفتهم رصد أي انتهاك للوحدة الوطنية - وليس على المستوى المذهبي وحسب - ورفع القضايا على منتهكيها وعدم التهاون في هذا اﻷمر تحت ذريعة " الاستقرار"، فكل تهاون أو "تسامح" في هذا اﻷمر إنما يمثل خنجرا يطعن قلب الوطن. وإن كان هناك من يمكن مداراته بالحسنى، فالبعض "ما يجون إلا بالعين الحمرا" ولا يكف عن النباح إلا بسماعه جرس القانون. ومع اﻷسف ما يزال أمثال هؤلاء الكلاب طلقاء حتى وصلت بهم الوقاحة أن يصدروا بيان استنكار لما جرى في مسجد الصادق وهم وباﻷمس القريب وصموا الشيعة بالفئة الضالة وحرموا تعزيتهم في مساجدهم وحسينايتهم ! فأي وحدة ننشدها ونحن نسمح لهؤلاء بالنباح ليلا ونهارا؟

ثالثا: الجانب السياسي

وهنا يأتي دور مجلس اﻷمة وأعضائه المنتخبين للنهوض بمسؤولياتهم، فالقوانين والاقتراحات والرغبات المتعلقة بالجانب الوطني"مثل الهم على القلب"، ومع ذلك فالحكومة لا تسعى إلى إقرارها أو تطبيقها، بل اﻷنكى أن يرى الأعضاء ذلك رأي العين ولا يسائلون الحكومة، وإن ساءلو فعلوا "رفعا للعتب"! إنكم يا أعضاء مجلس اﻷمة - وأخص الشيعة منهم - أشد المسؤولين عن كل ما جرى ويجري من أي اعتداء على الوحدة الوطنية، فأنتم أصحاب سلطة ولكم أن تفعلوا الكثير إلا إن اخترتم العكس ولن ينفع بعد اليوم عذر. فكما أن الجهات اﻷمنية متهمة بالتقصير في التعامل مع التهديدات الإرهابية والتي كان نتيجتها تفجير مسجد الإمام الصادق عليه السلام، فأنتم متهمون أيضا بالتقصير في مساءلة الجهات المختصة ولن يرفع الحرج عنكم كلمة في المجلس أو تصريح لوسيلة إعلام. اليوم نواب الشيعة هم أكثر من يتحمل مسؤولية أي انتهاك للوحدة الوطنية بأي صورة كانت سواء من تمييز في التوظيف في مناصب و جهات معينة، وصولا إلى بث السموم في وسائل الإعلام وانتهاء بالقتل على الهوية كما جرى في جمعة رمضان الحزينة، بل المناط بهم متابعة كل ما طرحناه آنفا في المحورين السابقين والعمل الدؤوب نحو تحقيق هذه المكتسبات.

رابعا: الجانب الاجتماعي

فكما أسلفت، فالاعتماد الكلي على الحكومة والمجلس "ما يوكل خبز" بل هو خطيئة ! نعم مسؤوليتنا كمواطنين حسن اختيار من يمثلنا في المجلس كي يكون عينا على الحكومة يراقبها ويدا تقوم اعوجاجها، لكن لا يجب أن نخدع أنفسنا بهذا الكلام ونكتفي به، فديمقراطيتنا ما زالت "عرجاء" ونظامنا السياسي يعاني من التخلف إذا ما قورن بغيره ! من هنا علينا أن ننهض بأعبائنا وذلك من خلال:

1- "كل مواطن خفير": ما حدث في مسجد الإمام الصادق لم يكن ليحدث بذات البشاعة لو أن القائمين على المسجد اتخذوا مما حدث في العنود والقديح عبرة، فالواجب اليوم إذا أن يقوم كل مسجد وكل حسينية بتدريب كوادرهم على التعامل مع هذه الظروف تدريبا متكاملا، تنظيميا وأمنيا وطبيا وإعلاميا، لا سيما وأننا مقبلون على ليال القدر وموسم عاشوراءالحسين عليه السلام.

2- "اخوان سنة وشيعة": لا يكفي أن نردد هذه الكلمة في المناسبات والمصائب بل يجب علينا ان نعيشها حقا وان نغذيها ﻷبنائنا ونبتعد أن أي أمر قد يشعل فيهم شرارة الكراهية. فالكويت كانت وستبقى بلد السلام والعيش والمشترك والفضل بذلك بعد الله ﻷهلها وتسامهحم منذ أن قامت للكويت قائمة.

3- "مذهبي وافتخر فيه": للأسف فبعض الشيعة كي لا يوصم بالطائفية صار يستنكف حتى من ممارسة "شيعيته"، فيسهل عليه التندر على مذهبه وطقوسه وامام المﻷ، وهو لا يعلم بأنه بذلك يسيء إلى وطنه قبل أن يسيء إلى مذهبه. فإن كان من حق السني ان يرى أن مذهبه هو الحق، فمن حقنا أن نرى مذهبنا كذلك ولا يجب أن يكون ذلك سببا "للمستحى" ! فعلينا نحن قبل الحكومة و المجلس بأن نؤمن بأننا مواطنين "درجة أولى" وأن لنا في هذا الوطن كما لغيرنا من حرية العقيدة والكلمة والرأي، وعلينا قبل غيرنا أن نعزز ثقافة العيش المشترك في دولة مدنية يكون فيها "الدين لله والوطن للجميع".

هذه بعض الأفكار من عصف ذهني جمعتها من مختلف النقاشات التي دارت وما زالت تدور حول وضع الشيعة ومستقبلهم في الكويت، وانا على يقين اني قد غفلت عن بعض اﻷمور لكن هذا ما جادت به بنات فكري. اليوم كلنا مسؤلون عن هذا الوطن وبقائه وأمنه وعلينا جميعا العمل على حفظه كي لا تتكرر فاجعة "شهداء الصلاة والصيام" ونكون عندها كلنا في قفص الاتهام.

رحم الله شهداء الوطن ومن على الجرحى بالشفاء.. وحفظ الله الكويت.