ما شهدته الكويت خلال السنوات الماضية من حراك سياسي بدءا بتعديل الدوائر الانتخابية عام 2006 وصولا إلى أحداث اعتصامات ساحة الإرادة واقتحام مجلس الأمة والتي أفرزت استقالة رئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد في نوفمبر 2011 وما أعقب ذلك من تعديل على نظام التصويت فيما عرف بقضية "الصوت الواحد" أواخر عام 2012، كل ذلك يستدعينا للوقوف مليا على مشروع ما بات يعرف ب "ائتلاف المعارضة" المتعلق بإقامة نظام ديمقراطي برلماني. فالحاجة إلى التعديل على النظام القائم في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة باتت من المسلمات المتفق عليه بين مختلف أطياف الشعب، بل إن الإيمان بضرورة التعديل على الدستور هو من صلب العمل به، يبقى الخلاف على الآليات والتوقيت والظروف المحيطة بذلك كله.
جوهر التعديلات التي تبنتها المعارضة على أكثر من 30 مادة من الدستور الكويتي القائم تهدف بالمجمل العام نحو الوصول لنظام الحكومة المنتخبة وتقنين صلاحيات رئيس الدولة، وهو ليس أمرا جديدا ولا مطلبا حديثا يتعلق بالمعارضة الحالية لكن هذه المطالب كانت غالبا ما تلقى تهميشا من الساسة لحجج مختلفة إبان طرحها. بل بالعودة إلى الماضي القريب لوجدنا أن المطالبة بالحكومة المنتخبة كان ضمن أدبيات المعارضة حين احتلت أغلبية مجلس فبراير 2012 (المبطل الأول) غير أنها مع توفر هذه الأغلبية المريحة لها انصرفت بعيدا عن تلك الرؤية لظنها بأنها استحكمت على مقدرات السلطة التشريعية وأن الشعب أصبح وراءها ولن يرضى عنها بديلا، فشغلت نفسها بأمور من قبيل قانون إعدام المسيء للذات الإلهية إرضاء لأغلبية "الأغلبية" حتى جاءت صفعة المحكمة الدستورية بإبطال أمانيهم. وعلى ذكر قانون إعدام المسيء فالملفت في مشروع المعارضة الجديد أنها لم تأت على ذكر اي تعديل على المادة الثانية والتي كانت دائما مطلبا أساسيا لدى الأغلبية الإسلامية منها، وهو ما فسره بعض المراقبون بمحاولة يائسة لاستمالة الليبراليين نحو هذا المشروع الإصلاحي، بل فشلوا حتى بإقناع التيار التقدمي، أكثر تيارات المعارضة "لبررة"، بالتوقيع على وثيقة المشروع.
وبالعودة إلى نصوص المشروع المطروح لوجدنا أن أعضاء الائتلاف حملوا في مقدمة ورقتهم الإصلاحية ما وصلت إليه الكويت من حالتى الفساد المالي والإداري إلى نظام الحكم القائم الذي خلق "أزمة سياسية متمثلة بتمدد صلاحيات الأسرة على حساب صلاحيات الشعب"، لكنها - أي المعارضة الحالية - أغفلت أن طيفا كبيرا ممن يشكل ائتلافها كان جزءا لا يتجزأ من منظومة هذه الأزمة وحليفا للسلطة في أحلك أيام الفساد. وحين قام الائتلاف بسرد تفصيلي لعدد من مظاهر الفساد من قبيل أزمة السكن والتعليم والبطالة والبدون حملوا اللوم كل اللوم على السلطة وكأنهم لم يكونوا جزءا مما وصل بنا الحال من فساد إبان اعتلاء رموزهم لكراسي البرلمان. ثم وبكل جسارة صوبوا سهامهم نحو السلطة متهينها بأنها سبب تمزيق أواصر النسيج الاجتماعي - ولعلي لا اختلف كثيرا مع ذلك - متناسين أن أفواه أعضاء من هذا الائتلاف كانت وما تزال تفوح منها رائحة الطائفية المقيتة، بل أن أيدي بعضهم ملطخة بدماء اﻷبرياء من خلال دعمهم لمظاهر التسلح خارج الكويت. الأنكى من ذلك كله أن ائتلاف المعارضة في مقدمة مشروعه طعن بشكل واضح بنزاهة المحكمة الدستورية حين لمح لكونها أداة بيد السلطة حين أبطلت مجلس فبراير 2012، وهذه اللهجة من الخطاب تستدعي الوجل من هذه المعارضة، فإما أن تكون معي وإلا فأنت فاسد؟! وهذا الأمر يظهر بوضوح من خلال خطاب رموزهم بوصف أعضاء البرلمان الحالي ب"الأرجوزات" ع"الطالعة والنازلة". فأي إصلاح تنشدونه يا سادة وكيف لنا أن نستأمنكم على مستقبل هذا الوطن وأنتم على ما أنتم عليه من التناقض والإقصاء والفجور بالخصومة؟
خلاصة القول، طرح المعارضة لمشروعها لن يعدو عن "كلام في كلام" طالما أن الواقع العملي يتمثل بممارسات استفزازية واقصائية، ولو سمع الشاعر الكبير أحمد مطر أن هذه المعارضة هي من سيقود مسيرة الإصلاح في البلد لقال في قصيدته (دود الخل): "معارضتنا مجهولة معلومة .. ليس لها معان مفهومة .. تتبنى أغنية البلابل .. لكنها تتغنى بالبومة .. تشحذ سيف الظالم صبحا .. وتولول ليلا مظلومة"