27‏/5‏/2016

"حدس" في مثل هذا اليوم

في فبراير 2016 كتب المحامي جاسر الجدعي تغريدة في موقع تويتر يدعو من خلالها "قوى المعارضة والمقاطعين" للاجتماع وبحث النزول في انتخابات 2017. النائب الحدسي "المبطل" محمد الدلال علق على هذه التغريدة بأنها "تستحق المناقشة" لكن وخلال سويعات فقط خرج زميله الحدسي النائب السابق د. جمعان الحربش بتغريدة يدعي فيها أن حساب الدلال "مخترق" وأن تلك التغريدة لم تصدر منه. ولكي يكتمل "فلم الاختراق" غاب السيد محمد الدلال عن التغريد لحوالي شهر وعاد في أواخر مارس للتغريد لكن هذه المرة من حساب جديد، والملفت أن الهاكر الذي "اخترق" حساب الدلال بعد أن كتب تلك التغريدة .. مسح جميع تغريداته القديمة!!

لا شك أن حدس كانت من أبرز المكونات التي عارضت مرسوم الصوت الواحد وأكثرها تنظيما وتأثيرا على الشارع، إلا أنها فشلت بالخروج بمشروع إصلاح سياسي حقيقي طوال 4 سنوات. بل العكس كانت حدس عاملا أساسيا في تأجيج الشارع خلال السنوات الماضية، فكانت حاضرة في كل أزمة عصفت بالبلد متبنية الخطاب التحريضي من خلال ماكيناتها الإعلامية كما حدث في المسيرات التي عرفت باسم"كرامة وطن"، و اتهامات الرشى التي طالت بعض القضاة، وقضية "بلاغ الكويت" المتعلقة بقلب نظام الحكم وصولا إلى التأجيج الطائفي المقيت الذي صاحب أزمة "خلية العبدلي" الصيف الماضي. كل ذلك أملا في أن تسفر إحدى تلك العواصف إلى حل مجلس الأمة، الأمر الذي كان سيمثل بطريقة أو بأخرى مخرجا لحدس من المأزق الذي دخلت فيه عند إعلان مقاطعتها للانتخابات "الدستورية" في 2013. لكن في ظل الرغبة السياسية العليا بإكمال المجلس مدته الدستورية لا سيما بعد تخطي كل تلك الأزمات المفتعلة، ومع فشل مشروع إسقاطه من الخارج، لم يجد الحدسيون بدا من الخضوع للواقع، فأعلنوا في بيانهم الصادر بتاريخ 26 مايو تراجعهم عن قرار المقاطعة وخوض الانتخابات المقبلة، الأمر الذي كان متوقعا منذ فترة ليست بالقصيرة.
من الناحية السياسية يعتبر قرار المشاركة في الانتخابات المقبلة قرارا يتحلى بالواقعية، فالسلطة ماضية في مشروعها متحصنة بدستورية الصوت الواحد ولم تثنيها كل الدعوات للحل عن المضي في استمرار مجلس 2013. غير أن حدس في بيانها الأخير وقعت في مأزق جديد، فهي وصفت مرسوم الصوت الواحد بأنه "مخالف للدستور" وأن النظام الانتخابي الحالي يكرس "الفئوية والطائفية" ويعمق الخلافات السياسية، ومع ذلك فهي تقبل على نفسها أن تكون جزءا من هذا الخلل - من وجهة نظرها- في سبيل "المصلحة العامة". من هنا نتساءل؛ مالذي يمنع حدس من إعلان احترامها لدستورية "الصوت الواحد"؟ ولماذا لا تعترف صراحة بعدم صوابية مقاطعتها لانتخابات دستورية؟ أليست الأسباب التي دعتهم للمقاطعة من "سلب حق الاختيار" و "التفرد بالقرار" قائمة إلى اليوم؟ فمالذي تغير؟
هذا الغرور والتلون ليس غريبا على حدس، فهي مارست هذا النوع من اللعب السياسي على مدى 3 عقود، ومع ذلك كانت دائما حاضرة إما بالتمثيل النيابي أو الوزاري أو القيادي، مستفيدة من تحالفاتها مع أقطاب سلطوية وتجارية ومراهنة على ذاكرة الشعب الضعيفة التي تناست تلك التقلبات.

حدس في 2013 تعتبر المشاركة "إهانة"، لكن في 2016 تعتبرها "مسؤولية وطنية".
حدس في فبراير تنفي مجرد التفكير في المشاركة، وحدس في مايو تتخذ القرار بالمشاركة وبقوة.
هذه هي حدس .. وسيبقى السؤال قائما "هل كان حساب الدلال فعلا مخترق؟"

7‏/5‏/2016

الكويتي .. خان !

#YesWeKhan ..
شعار وهاشتاق أطلقه مناصرون لمرشح حزب العمال البريطاني (صادق خان) - ابن سائق الباص والخياطة المهاجرين من باكستان - والذي نجح بالفوز بمنصب عمدة مدينة (لندن) عاصمة المملكة المتحدة ليكون بذلك أول مسلم، بل رجل غير أبيض، يفوز بهذا المنصب السياسي الرفيع. ورغم محاولات خصمه الرئيسي مرشح حزب المحافظين، وسليل العائلة اليهودية المليارديرية (زاك جولدسمشيث) ربط خان ب "الجماعات المتشددة" إلا أن غالبية "اللندنيين" عبروا عن تضامنهم مع صادق بشعار (نعم .. كلنا خان) في تصويت عكس روح الإيمان بالتعددية ونبذ العنصرية حتى في ظل الأجواء المشحونة التي تعيشها أوروبا مؤخرا نتيجة ممارسات الإرهاب الديني.

لا أمتلك إحصائيات دقيقة لكني على يقين أن أمثال صادق خان هم بالآلاف في الكويت، رجال ونساء، هاجر آباؤهم في القرن الماضي إلى "أرض الأحلام" طلبا للرزق فكونوا عائلات اختلط أبناؤها بأبناء "عيال الديرة" فأصبحوا جزءا أسياسيا من نسيج المجتمع الكويتي، درسوا في مدارسها وتخرجوا من جامعتها وعملو في مؤسساتها، لكنهم بطريقة أو أخرى ما زالوا يشعرون بأنهم "غرباء" في الكويت رغم أن كثير منهم لم يعرف له وطنا غيرها، وأن الدولة التي احتضنتهم واحتضنت آبائهم من قبل ستنقلب عليهم في يوم ما ل"تسفرهم". ما يزيد هذا التخوف في صدور "أبناء المهاجرين" أن كثيرا مما يرونه من ممارسات رسمية وشعبية ليس من شأنها سوى تكريس هذا التمييز، فقوانين الهجرة أو الجنسية لا تقف إلى جنبهم وهي خاضعة بشكل كبير لأهواء المسؤولين الذين يلعبون على وتر "الحق السيادي" أو "القيد الأمني" كلما تعلق الأمر بوافد أو مهاجر أو "بدون" غير مرغوب فيه، ويكفي فقط أن تستمع للقاءات هؤلاء المسؤولين لترى كمية "العفن العنصري" الذي يخرج من أفواههم. الأمر لا يتعلق بالحكومة الحالية بل هي سمة مشتركة لدى الحكومات الماضية التي استخدمت قوانين الجنسية لأغراض سياسية بحتة من إقصاء خصوم أو شراء ذمم في ظل عجز - أو عدم اكتراث - ممثلي الأمة المنتخبين على مدى عقود عن الوقوف بوجه هذا التلاعب والانتصار للمظلومين. فبدل من تجنيس من ولد على هذه الأرض وخدمها طبيبا أو مهندسا أو أستاذا أو عاملا، لجأت الحكومة لكرت الجنسية فأتت بالمتردية والنطيحة من هنا وهناك وأعطتهم الوثيقة "السوداء" والجواز "الأزرق" نكاية بخصومها السياسيين حتى بات منهم من يشرع ويفتي وهو ما يزال حديث عهد بالبلد. وليت الأمر يقتصر على الجهات الرسمية، فالمصيبة أن كثيرا من هذه الممارسات العنصرية تلقى تأييدا واسعا لدى "شعب الله المختار" الذي يرفض أن يساوى بغيره، ويكفي أن نسترجع الجدل الكبير الذي أحدثه اقتراح وزارة الصحة بتخصيص مستشفى جابر للكويتيين فقط والذي لقي تأييدا واسعا من "عيال بطنها" لنتيقن أن المشكلة في عقلية المواطن قبل أن تكون في مكان آخر.

لو كان صادق خان من مواليد الكويت وبقي فيها، لما كان له حتى حق الحلم بأن يصبح محاميا فضلا عن توليه منصبا رفيعا، فلا قوانين الحكومة تسمح له ولا المواطن سيرضى بأن يكون "مهاجر" و "ابن سائق باص" منافسا له. لكن لحسن حظه أنه ولد في لندن ليشعر حقا بأنه إنسان وإلا لكان في الكويت مجرد .. الباكستاني "خان" !