نقّحوه أو نقّعوه
هل تعلم عزيزي القارئ أن الانتخابات المقبلة ستحمل الرقم ١٤ في الثلاثين سنة الأخيرة، وتحديدا منذ عودة العمل بالدستور في عام ١٩٩٢ بعد الانقلاب الثاني عليه في الثمانينيات؟ نعم، أربعة عشر *"عرسا ديمقراطيا"* بمعدل "عرس" كل سنتين تقريبا، وفي كل عرس نقول أن "إرادتنا الشعبية" ستنتصر، وسنبقى للكويت "على العهد باقون"، وإياك أيها المواطن "واليأس من وطنك" مهما جرى، لأننا أقسمنا "انردها" أجمل مما كانت، وغيرها من الشعارات التي أصبحت مكررة، مملة، لا قيمة لها.
نظام الكويت ديمقراطي بنص المادة السادسة من الدستور، لكن الواقع يقول بأن تجربتنا الديمقراطية *فاشلة*، ولا أدل على هذا الفشل إلا تكرار تعطيل عمل المجلس منذ قيامه في ١٩٦٣، حتى وصلنا لانتخاب ١٤ مجلس في ٣٠ سنة. ولست بصدد نقاش آثار الفشل فهي أوضح الواضحات، وكفاك بحفر الشوارع شاهدا ومشهودا. لكن ما أريد تبيينه أنه خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كانت هناك محاولات حثيثة لإصلاح النظام السياسي، إلا أنها لم تنظر إلا للقشريات، لا لأصل المشكلة، فضاعت الجهود هباء وأصبحت مصداقا ل *"الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"*. قيل أن العلة بالدوائر ال٢٥ لأنها تعزز الفئوية والمال السياسي، فجاءت الدوائر الخمس بأربعة أصوات نزولا عند *"الإرادة الشعبية"*، لنكتشف بعدها أن الفئوية تكرست بشكل غير مسبوق في المجتمع، ولم يتوقف شراء الذمم، وبقي حال البلد يتدهور. ثم جاء الصوت الواحد بإرادة "فردية" لينقذ الكويت بعد أن *"كادت تضيع"*، وكلنا نعرف كيف انتهت كل المقاطعات والاحتجاجات وانقلبت المواقف من مجلس "بو صوت"، وبقيت الحقيقة الثابتة الوحيدة أن البلد ما يزال "ضائعا" غارقا في مستنقع الفساد.
مشكلتنا أننا متمسكون بدستور بال لم يعد صالحا للاستهلاك السياسي في هذا الزمن، خصوصا بمواده المتعلقة بالسلطات (كالمواد ٥٦، ٨٠، ٨٢، ١٠٢) وما يتبعها من قوانين ترتبط بها وباللائحة الداخلية لمجلس الأمة، وهذا أصل المشكلة برأيي. وطالما بقيت هذه المواد والقوانين بلا تنقيح أو تعديل يضمن *توسيع صلاحية الشعب* في الرقابة والتشريع والتنفيذ، فإن أي تعديل على قانون الانتخاب، من توزيع الدوائر أو عدد الأصوات أو آلية التصويت أو المطالبة بإنشاء هيئة مستقلة للانتخابات أو إشهار أحزاب سياسية أو غيرها من الاقتراحات، فكل ذلك لن يغدو عن كونه "ترقيعا" إن بقي الدستور على "طمام المرحوم".
بعد أسابيع قليلة سنتعرف على تشكيلة المجلس الجديدة، لكني أكاد أجزم أنها لن تغير من واقعنا شيئا طالما لم يلتفت الشعب وممثلوهم لأصل المشكلة ويبادروا لحلها. هذه ليست دعوة للمقاطعة ولا للتخلي عن الدستور، فالمجلس على "علاته" خير من عدمه. لكنها دعوة لإنهاء حالة العبث بالدستور باسم الدستور، وذلك من خلال تبني المشاريع ودعم ممن يضع هدف تنقيح الدستور نصب عينيه بما يضمن مزيدا من تمكين سيادة الشعب. أما الذين لا يرون حاجة للتنقيح، أو يرون ذلك مجرد شعار مستحق ويدعون احترامه دون اتخاذ خطوات عملية باتجاه "تنقيحه، فالأجدر أن "ينقعونه ويشربون مايه" إن كانو يظنون حقا بقدرتهم على الإصلاح باستخدام ذات الأدوات. إن أمثال هؤلاء كما وصفهم آينشتاين - أو هكذا ينسب له - ليسوا سوى حمقى، يكررون ذات التجربة بذات الأدوات وينتظرون الحصول على نتائج مغايرة.