25‏/2‏/2018

ديم(...)راطية

"خرطي" في اللهجة المحلية تعني الشخص البليد الذي لا يعتمد عليه، خصوصا ذلك الذي يكلّف بمهمة فيفشل في تنفيذها لبلادته. و "الخرط" عادة ما تستعمل للدلالة على الكلام الذي لا قيمة له وغالبا ما يكون مجموعة من الأكاذيب والأساطير الملفقة.

تعالو نغلق معجم اللهجة المحلية لنفتح قاموس السياسة والذي دائما ما تبرز فيه كلمة (ديمقراطية)، والتي يعود أصلها لليونان وتعني حرفيا (حكم الشعب). هذا المفهوم الذي تبنته شعوب شتى ليصبح أساس الحكم في بلدانها، والذي لأجله قامت ثورات وسالت دماء إيمانا بحقها في اختيار من يدير شؤونها. ولم يكن شعب الكويت غريبا عن هذه الشعوب، فقد سعى وثابر أبناؤها لأجل أن تسود الديمقراطية في هذا البلد حتى جاء المغفور له الشيخ عبدالله السالم لتنتقل الكويت رسميا إلى مصاف الدول الديمقراطية كإمارة دستورية فيها "الشعب" هو مصدر السلطات جميعا. ولأن الهدف الأساسي من أي ديمقراطية هو حفظ حريات الشعب بأغلبيته وأقلياته، فقد كفل الدستور حرياتنا بمختلف أشكالها من خلال مواده الصريحة و الواضحة. بل حتى عندما وضع الدستور آلية لتنقيحه، فإنه حرّم على المشرّع تنقيح أي مادة متعلقة بمبادئ الحرية والمساواة ما لم يضمن التنقيح مزيدا من الحرية. مما سبق يتبين أن العامل الأساسي لتقييم ديمقراطيتنا هو مدى ذودها عن حريات الشعب، وأن أي عامل آخر من قبيل مستوى رفاهية المواطن أو متانة اقتصاد الدولة ليست إلا عوامل ثانوية في تحديد مستوى الديمقراطية كون مثل هذه الأمور قابلة للتحقق في الأنظمة الاستبدادية بدرجة أو بأخرى، الأمر الذي لا ينطبق على حرية التعبير.

وحين نفتح كتاب ديمقراطية الكويت، نجد أنه ومنذ البدء بكتابته في أوائل ستينيات القرن الماضي لم تسلم صفحاته من السواد، كتبها بعض أفراد السلطة وحلفائهم نتيجة عدم إيمانهم بالديمقراطية. بداية من تزوير انتخابات ١٩٦٧ مرورا بالحلّين غير الدستوريين عامي ٧٦ و ٨٦ وما رافق تلك الحقبة من قوانين وممارسات كإصدار قانون التجمعات - سيء الذكر - و الاعتقالات وسحب الجناسي وإغلاق جمعيات نفع عام ورعاية الخطاب الطائفي وإنشاء المجلس الوطني وغيرها من الأحداث التي اعتبرت "انقلابا" صارخا على الديمقراطية والدستور. لكن ومع بزوغ فجر التحرير، آمن أبناء الكويت بأن تلك الفصول السوداء ولّت إلى غير رجعة وأنهم بصدد فتح صفحة ناصعة البياض لأجل مستقبل تتعزز فيه الديمقراطية وحرية الكلمة. هذا الحُلُم بقيَ حلماً ولم تستطع الحكومات المتعاقبة ولا القوى السياسية والشعبية على مدى أكثر من ربع قرنٍ من أن تحققه، بل فشلت حتى بالحفاظ عليه من التدهور. فسياسيا، ما زالت الكويت في مصاف (الأنظمة السلطوية) - وهو الأدنى تقييما بين الأنظمة السياسية - حسب تقرير وحدة الأبحاث بمجلة (The Economist) لعام ٢٠١٧، فجئنا بالمرتبة ١١٩ من بين ١٦٥ دولة. وأما على صعيد حرية الكلمة، فتقرير منظمة (مراسلون بلا حدود) يصف صياغة مواد قانون الجرائم الإلكترونية لعام ٢٠١٦ ب"الغموض" وأنها تشكل "تهديدا" للمدونين، ما جعل الكويت تحتل المرتبة ١٠٤ بين ١٨٠ دولة في مجال حرية الكلمة. حتى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أبدى قلقه في عام ٢٠١٥ لما وصفه ب "قيود مفرطة على حرية التعبير" تضمنتها قوانين النشر والمطبوعات في الكويت. فالمشكلة ليست مجرد منعٍ لمقالة أو كتاب أو حظر لمشهد تلفزيوني أو عدم ترخيص لوسيلة إعلامية. المشكلة الحقيقة أن أبناء الكويت بات يزّج بهم في السجون وبأحكام قاسيةٍ جدا على إثر عشرات من الأحرف يكتبها في (تويتر) أو ثوان يتكلمها على (سناب). والمشكلة الأكبر أن الكثير من تلك الأحكام المغلظة إنما صدرت بحجة "الإساءة لدول شقيقة"، وهي الحجة التي باتت سيفا مسلطا على جميع الرقاب خصوصا مع ضبابية مفهوم "الإساءة"! الأنكى من ذلك كله أن من يرفع حربة القضايا على أبناء الكويت هي الحكومة نفسها ممثلة بوزارة الخارجية، الحكومة ذاتها التي تسكت عن إهانتها ومن قبل مسؤولين في دول أخرى، وإن ردت ردت باستحياء! إن أبرز ولعله أولى الأولويات التي يجب أن تكون على مائدة السياسيين والحقوقيين والناشطين في هذا الوقت تحديدا هو تعديل القوانين المقيدة للحريات بما ينسجم وروح الدستور الذي نص عليها، وأن أي أولوية أخرى مهما بلغت أهميتها سواء كانت على مستوى الاقتصاد أو التعليم أو حتى الأمن فهي ليست بذات الاهمية. آن الأوان لأن يعود المواطن للشعور بأنه في بلد ديمقراطي حقيقي يكفل حرية كلمته وعقيدته دون الخوف من سوط السجان، هذا الشعور هو ما سيعيد للكويت تنميتها الحقيقية.

عودا على بدء، يذكر الأستاذ أحمد الديين في برنامج الصندوق الأسود أن الكاتب الراحل الأستاذ محمد مساعد الصالح وبعد حادثة تزوير انتخابات ١٩٦٧ وصف ما جرى ليس ديمقراطية، بل "ديمخراطية" (من خرطي غالبا). لكن اليوم وبعد كل ما جرى ويجري، أحسب أنه كان سيستبدل ال "خَ" بال "ضَ" (بصوت الراحل عبدالحسين عبدالرضا).

كل عام والكويت بخير.

1‏/2‏/2018

خيازرين ‏بالية

قد لا يختلف اثنان على أن "حسين بن عاقول" استحق كل "لسبة" على ظهره جراء "قِشه" بترويج لحم الكلاب بدل الخراف. وعلى الرغم من محاولة "حسينوه" تبرير فعلته بأنها "شطارة تاجر"، لكنه ما إن سمع بالعقوبة المعدة للغشاش حتى "تعومس"، كيف لا وما ينتظره ليست مجرد خيزارنه، بل "خيازرين منقعة بماي وملح" ! كانت الخيزرانة في تاريخنا من أكثر أدوات "التهذيب والاصلاح" رواجا، ولذا ما إن يذكر اسمها حتى ترتعد فرائص "المذنب" ذعرا! لكن مع الوقت وبسبب سوء استخدام "الجلادين" لها من شرطة ومعلمين و"ملالوة" وتطور أساليب التربية فقدت الخيزرانة قيمتها "الإصلاحية".

حال "الاستجواب" في مجلس الأمة الكويتي بات كحال الخيزرانة. فبعد أن كان كابوسا يؤرق منام الوزير المستجوَب والحكومة من خلفه حتى لمجرد التلويح به، لم يعد للاستجواب تلك الهيبة التي تردع او تعاقب وزيرا على فساد مالي او إدراي. بل صارت مادة الاستجواب هي آخر ما يهم الساسة ومن يقف خلفهم في تحديد مواقفهم من الوزير وحكومته، ومعظم ما نسمعه من تبريرات النواب بأنه اتخذ موقفه عن قناعة بعد استماعه لمرافعة المستجوبين وردود الوزير ليس إلا "علاك مصدي". فعائلة الوزير أو قبيلته، صلته بأقطاب الأسرة الحاكمة، "ثقل" التاجر الذي يدعمه، إسلاميته او ليبراليته، شيعيته او سنيته، كل هذه العوامل ولعله غيرها تسبق مادة الاستجواب نفسها بسنوات ضوئية حين يتم تحديد التصويت على طرح الثقة. فحتى لو كان الوزير يضاهي أولياء الله الصالحين في مقاومته للفساد أو كان قرينا للشياطين في نشره، فإن ذلك لم يكن ليؤثر على الموقف منه لدى الغالبية النيابية. وهذا إن دل فإنما يدل على أن التركيبة السياسية بشكل عام والبرلمانية بشكل خاص هي العامل الأساسي التي أفقدت الاستجواب قيمته الإصلاحية المنشودة. بل وبعدما كان أقصى ما يخشاه الوزير هو إيقافه على المنصة، صار بعضهم يتمنى الوقوف عليها وفي جلسة علنية كي يزيد من رصيده الشعبي. وعلى ذكر الشعب، فإن العامل الأساسي الآخر الذي وصل بالاستجواب إلى هذا المستوى هو عدم الاكتراث الشعبي فعلا. ففي الماضي كان الاهتمام بالاستجوابات حالة عامة لدى المواطنين حتى لغير المهتمين بالسياسة. لكن ومع كثرة الاستجوابات والاستخدام العبثي لها ويقين الشعب بأن الاستجواب لن يقدم ولن يؤخر، فقدت هذه "الخيزانة" الزخم الشعبي والإعلامي الذي كان يلازمها. فعندما نعلم أنه ومنذ عودة الحياة البرلمانية عام ١٩٩٢ وإلى الآن تم تقديم أكثر من ٦٥ استجواب منها أكثر من ٤٠ في فترة مجلس ٢٠٠٩ وما أعقبه من مجالس، فيحق لنا عندئذ ان نتساءل بعد كل هذا الكم من المساءلات: هل انصلح حال البلد أم اننا في تراجع مضطرد على مختلف المستويات؟

الخلل في العملية السياسية الحالية واضح وجلي، وما لم يتم الجلوس على طاولة حوار شعبية واحدة لتحديد مكامن الخلل بدقة وإيجاد حلول واقعية لها، فلا الاستجواب ولا أكبر "خيزارنة سياسية" ستصلح الحال، وسيبقى "حسينوه بن عاقول" آخر فاسد تمت محاسبته حسابا عسيرا في تاريخ الكويت.