31‏/12‏/2015

في رثاء أبي ناصر

في رثاء أبي ناصر

كانت تنظر إليه ممددا على المغتسل ..
لم تتمالك نفسها وهي تودع رفيق عمرها ..
خرجت عمتي وهي تنتحب ..
"كان يحب الحسين"

هكذا عرفت زوج عمتي ..
بل عمي "بوناصر" ..
محبا وعاشقا للحسين عليه السلام ..
لم يحضر مجلسا إلا وكان صوت بكائه على سيد الشهداء يملأ الأركان ..
فقدر الله عز وجل أن يختاره في ليلة الجمعة ..
ليلة الحسين !

رحل أبو ناصر في ليلة من ليالي الحسين ..
وخلف وراءه ذرية على نهج الحسين ..
كيف لا .. وقد ملأ ذاك البيت البسيط في قلب منطقة "الصليبية" حبا لابن فاطمة الزهراء ..
لم يكن ابو ناصر بوضعه الاجتماعي المتواضع يملك كثيرا ليقدمه غير حب خالص لأبناء فاطمة ..
فكافأته بنت النبي على حبه ذرية صالحة !

وداعا أبا ناصر ..
اجتمعنا على ذكرك الليلة .. ليلة الجمعة التي كنت تحرص يا عمنا على إحيائها في مجالس سيد الشهداء ..
اجتمعنا في آخر ليلة جمعة في هذا العام ..
سائلين الله أن يقبل علينا عام جديد .. ونحن كما انت اليوم ..

لله أقرب !

9‏/12‏/2015

هشتكنا وبشتكنا

أحضرت كوب الشاي الدافئ متدثرا بلحاف أهدتنيه أمي قبل السفر وجلست ل"أجابل" التلفزيون وبجواري "الحب المصري"، فقد حان الموعد اليومي لعرض حلقة من مسلسل (الشتات). ذاك المسلسل الذي عرضته قناة المنار اللبنانية في أواخر العام 2003 والذي يحكي قصة نشأة الحركة الصهيونية وصولا إلى قيام كيان دولة إسرائيل الغاصبة في فلسطين عام 1948. أثار المسلسل السوري حينها جدلا واسعا في الأوساط الإعلامية العالمية ما أدى بالنهاية لقيام المنار بالامتناع عن عرض بقية حلقات المسلسل وصولا إلى إيقاف استقبال بث القناة اللبنانية في عدد من دول أوروبا وعلى رأسها بلد الحرية (فرنسا) بحجة التحريض على الكراهية ومعاداة السامية في العام 2004. كان من الواضح أن مسلسل الشتات - بغض النظر عن دقة ما تناوله - مجرد حجة استغلتها لوبيات معينة في أوروبا للضغط على الجهات المعنية لمنع صوت المنار من الفضاء العالمي، ذلك الصوت الذي كان يغرد وحيدا بمظلومية الشعب الفلسطيني وإرهاب الكيان الصهيوني.

اليوم يعود السيناريو ليتكرر من جديد لكن خصم المنار ليس غربيا ولا اسرائيليا، بل عربي خالص. فقد أقدمت شركة عربسات المملوكة لجامعة الدول العربية على إيقاف بث قناة المنار من أقمارها الصناعية دون سابق إنذار ودون بيان مسبب حتى اليوم وذلك حسب تصريح مسؤولين في الحكومة اللبنانية. إيقاف المنار يأتي بعد حوالي شهر واحد فقط من قيام عربسات بإيقاف بث قناة الميادين من أقمارها أيضا، ما يؤكد شكوك المتابعين أن قرار إيقاف القناتين لم يكن إلا لدوافع سياسية بحتة. فالواضح أن مواقف المنار والميادين من أحداث المنطقة لا سيما في اليمن وسوريا والعراق والبحرين وقبل ذلك كله في فلسطين المحتلة قد أقض مضاجع كثير من الأنظمة العربية التي لم تتحمل أن يخرج للفضاء صوت يحيد عما تمليه هذه الأنظمة لوسائل الإعلام الحكومية والخاصة الخاضعة لمالها السياسي. وهذا ليس بالأمر المستغرب على الإعلام العربي بشكل عام، فعلى مدى عقود كانت الأجهزة الإعلامية في معظم بلدان دول العالم العربي أشبه بصالونات التجميل التي تجعل من المرأة القبيحة ملكة للجمال. ولأن الإعلام اليوم هو من أهم - إن لم يكن أهم - أسلحة الانتصار، فإن هذه الأنظمة أدركت تماما أن وجود ضوء المنار و صولات الميادين في الساحات العربية قد يكلفها خسارة حروبها، كما فعلت إسرائيل تماما في عام 2006 عندما قامت باستهداف قناة المنار في الأيام الأولى من حربها البريرية على لبنان، لكنها عجزت عن اسكات ميكروفون المنار الذي كان سببا من أسباب النصر.

ما أشبه اليوم بالبارحة، فهاهي دول عربية تسير على خطى اسرائيل في محاربة الإعلام المناهض لسياساتها وما إيقاف قناتي المنار والميادين إلا رسالة مفادها أنه إن كنت تريد أن تحلق في فضاء الإعلام العربي فعليك ترديد النشيد العربي الرسمي
"هشتكنا وبشتكنا يا ريس ..
ده انته رئيس والنعمة كويس ..
يا مدلعنا .. يا مشخلعنا .. ؤول لعدوك روح إتليس ..
هشتكنا وبشتكنا يا ريس"

4‏/12‏/2015

سر الصمود .. طفلة

ارتفع الصليب وبجواره الهلال،
وصوت الأذان يحتضن جرس الكنيسة ..
هنا باب (توما) ..
هنا (دمشق) العاصمة يا سادة ..
صامدة أمام التكفير،
أمام بترودولار صهاينة العرب،
أمام إرهاب "العثمانيين الجدد"

إنها دمشق المقاومة والصمود.

ترى من أين يا دمشق هذا الصمود؟
مررنا بأزقة الشام بحثا عن السر، نسير باتجاه السهم ..
دخلنا حي (جعفر الصادق) حيث صور الشهداء تملأ حيطان الحي ..
من هناك إلى زقاق (البعلبكية) ومنه إلى موطن السر ..
نعم من هنا ..
ادخلوا من هنا بسلام آمنين ..

ذاك مرقد الطفلة (رقية) !

إنها شهيدة (الشام) ..
الشام التي كان فيها لعن علي "عبادة" وحبه "إرهاب" ..
الشام التي كان فيها يسب عليا على المنابر سنين عددا !
الشام التي رفعت الحسين على الرمح ..
الشام التي نكتت ثغره الطاهر بالقضيب ..
لكنها رقية يا بني أمية .. 
رقية بنت علي يا أحفاد هند ..
رقية بنت الحسين يا أدعياء يزيد .

رقية سر "الصمود"

قومي وانهضي رقية واسمعي اسم جدك المرتضى تصدح به المآذن لتملأ أسماع الشاميين ..
قومي وانهضي سيدتي فهذا اسم أبيك الشهيد قد ارتفع على أسوار دمشق ..
لم تعد مدينة يزيد وأمية ..
بل هي اليوم دمشق الحسين ..
دمشق سيد الشهداء ..
دمشق التي ستبقى محفوظة ببركة دماء شهداء المقاومة الإسلامية في سوريا

"شهداء لواء السيدة رقية"

السلام على الشهداء

2‏/12‏/2015

غربة العاشقين

أتذكر ذلك المكان جيدا، حين وقفت الحافلة على بعد أمتار قليلة من الحوزة العلمية، استحضرت ذكريات ذلك الطريق المليء بالحياة والحركة، سيارات الأجرة و "الميكروات" تتصارع في زحام الطريق، أما على قارعته ينتشر أصحاب "البسطات" يعرضون مختلف أنواع البضاعة والمأكولات، ورائحة الديزل والدخان المتصاعد من عوادم المركبات تملأ الجو. كل ذلك اختفى .. بات الطريق محاصرا بحواجز معدنية وأخرى من الاسمنت المسلح فلا يسمح للسيارات بالمرور .. الدكاكين كلها مغلقة، وعدد قليل من المارة بين أطفال ونساء يتخطفون الطريق ذهابا وإيابا، وعلى كل ناحية منه وقف رجل بملابسه العسكرية حاملا سلاحه مراقبا متأهبا.

إنها باختصار .. غربة !

وفي قلب تلك الغربة لاحت لي قبة شامخة .. كشموخ صاحبتها في مجلس ابن زياد وسيده ابن معاوية .. شموخ استصغر شأنيهما واستحقر قدريهما فكان إذلالها عصيا على بني آكلة الأكباد. لتعود الأيام وتبقى (زينب) عصية على أحفاد القوم من بني داعش ونصرة، فهاهم جنود أبي الفضل.. تلامذة الحسين .. يقدمون الأرواح ويتسابقون دفاعا عن مقامها الطاهر، حتى باتت "غربة" زينب ملاذا آمنا لأهل الشام. هي والله معجزة زينب ..  وعد زينب .. قسم زينب ..

"فوالله لن تمحو ذكرنا" !

وكيف يموت ذكر زينب؟ وقد ولدت أرحام النساء لها رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. فذاك (مهدي) قضى نحبه .. وكان (مهند) ينتظر .. حتى جاءو بجثمانه عند قبرها الشريف متوشحا الكساء الأصفر .. كساء المقاومة الأطهر .. صلينا عليه ثم حملناه مع الملائكة إلى جوار إخوته .. إلى جوار مهدي وأبي حيدرة وغيرهم. قدمنا التعزية لرفاقه وأهله .. احتضنني ذاك الشيخ بحرارة .. اشتممت فيه عطر الحياة .. ولسان الحال ..

"يا ليتنا كنا معكم"

مع مواكب العشق الحسيني، فها هو يوم الأربعين قد حل .. جاء العاشقون من كل حدب يرفعون نداء "لبيك يا زينب" .. فمن زينب انطلقت القافلة .. والموعد قبر الحسين .. نجدد الحزن لهم في العشرين من صفر ..

"السلام عليك يا أبا عبدالله"

29‏/11‏/2015

عادة الرقابة .. حليمة !

قبل أشهر قليلة أهدتني زوجتي رواية (فئران أمي حصة) للمبدع سعود السنعوسي بعد أن خاب مسعاي في الحصول عليها من مختلف المكتبات الكويتية، فما كان منها - بعد أن رأت اصراري على اقتنائها - إلا بطلبها من أحد المواقع الالكترونية لتقدمها لي. ومع علمي بمنع الرواية من السوق المحلي إلا أنني قمت بتفقدها على كل حال في جنبات معرض الكتاب - الذي اختتمت فعاليته يوم أمس - راجيا أن تكون عين الرقيب عن منعها قد سهيت، لكن ذلك لم يحصل بالطبع !

لم يكن البحث عن رواية السنعوسي التي تناولت بإتقان قضية الطائفية في المجتمع الكويتي هو هدفي الأساس، بل ذهبت وعلى قمة قائمة ما أود اقتناءه كتابان لمؤلفين كويتيين آخرين. الأول هو (محطات في تاريخ القرآن) للشيخ الدكتور مرتضى فرج، فالشيخ الفاضل من أكثر العلماء الذين يولون لبحوث القرآن اهتماما وبطريقة علمية خالصة وذلك من خلال متابعتي لسلسلة محاضراته، لذا كان الكتاب على رأس أولوياتي. ولأني شغوف بالتاريخ والسياسة لا سيما حين يتعلق الأمر بالكويت، فكان كتاب (التيار الوطني في الكويت؛ نظرة من الداخل) للأستاذ أنور الرشيد هدفا آخرا لمكتبتي الخاصة، فتاريخ هذا التيار بشخصياته ورموزه رسم ملامح عدة للعمل السياسي في الكويت فكان من المهم بالنسبة لي الاطلاع عليه. لكن يبدو أن عيون الرقابة وجدت في هذين الكتابين - الديني والسياسي - ما هو "مخل" بالأمن "الفكري" للمجتمع الكويتي إن صح التعبير، فقضت بمنع نزولهما للمعرض.
من المؤسف ونحن في دولة تدعي حماية الحرية الفكرية ودعم البحث العلمي أن تمنع إصدارات أبنائها من التدوال في وطنهم فيضطروا للجوء إلى دول مجاورة لعرض بضاعتهم للقراء. الأدهى من ذلك أنه في مقابل منع كتب ذات قيمة أدبية و فكرية و علمية عالية، فإن الرقابة تغض الطرف عن كتب فيها ما فيها من الإسفاف الأخلاقي والتطرف الديني لتباع وعلى "عينك يا تاجر"، ولم يكن معرض الكتاب الأخير إلا شاهدا على هذه الإهانة بحق الحرية الفكرية في الكويت. ولأني كغيري من المهتمين "غاسلين ايدنا" من المسؤولين في وزارة الإعلام بتطوير العمل في إدارة الرقابة وتشذيب ضوابطها التعسفية تجاه العقول الكويتية، فإني أناشد نواب الأمة لا سيما أعضاء لجنة شؤون التعليم والثقاقة والإرشاد وبالتعاون مع الجمعيات والروابط ذات الصلة للقيام بمسؤولياتهم تجاه ما تقوم به وزارة الإعلام من استهزاء بحق عقل وقلم المواطن الكويتي.

إن كان من المخجل في الذكرى الأربعين لأقدم معارض منطقة الخليج غياب كتب أمثال (فرج) و (الرشيد) و (السنعوسي) كما غابت كتب غيرهم من قبل بسبب عادة الرقابة القديمة، فإن "الفشلة" - كل الفشلة - أن يعرض كتاب .. حليمة!

27‏/10‏/2015

عاشوراء الكويت بعيون الصادق

ما جرى في يوم عاشوراء على سبط النبي وأهل بيته الإمام الحسين عليه السلام كان مصيبة على أهون وصف مهما حاول بعض مرضى القلوب صرف النظر عن ذلك إلى كونه يوم فرح وسرور. يوم المصيبة - بل قل موسم المصيبة - حل علينا في الكويت في ظرف استثنائي،حيث أنه الأول من بعد مصيبة أخرى ألمت بالكويت وأعني بذلك فاجعة تفجير مسجد الإمام الصادق عليه السلام. وليس أمض فجيعة مرت على تاريخ الكويت بعد الغزو البعثي الغاشم كفجيعة قتل عدد من الأبرياء أثناء صلاتهم داخل بيت من بيوت الله في وضح نهار شهر رمضان، لا لسبب إلا لانتمائهم المذهبي. فكيف أرخت مصيبة مسجد الصادق بظلالها على إحياء ذكرى مصيبة الحسين؟

قبل أن أسترسل في المقال لا بد من التنويه إلى أن ما سأسرده لا يعدو عن كونه محاولة لنقل بعض المشاهدات الفردية لأجواء الموسم العاشورائي والتي ارتبطت برأيي بشكل مباشر بتبعات تفجير مسجد الإمام الصادق، وهي كذلك بمثابة دعوة لدراسة هذا الموسم "الاستثنائي" من قبل المعنيين بالإشراف على الحسينيات وما يمتلكون من علاقات اجتماعية وسياسية.
لعل التحدي الأبرز الذي كان ينتظر موسم عاشوراء في الكويت هو مدى الإقبال على مجالس الحسين عليه السلام لا سيما في ظل الوضع الأمني الحساس الذي تعيشه المنطقة، لكن - ومن جديد بناء على مشاهدات فردية - كان الإقبال على المجالس جيدا جدا، بل إن لم يتفوق على المواسم السابقة فهو بالحد الأدنى لم ينحسر. ورغم خبر استشهاد عدد من حضور أحد المجالس - بينهم فتاة عشرينية - بمنطقة سيهات شرق السعودية في الليالي الأولى من محرم هذا العام على يد دواعش المملكة، فإن ذلك لم يزد المعزين هنا في الكويت إلا إصرارا على الحضور، رجالا ونساء .. شيوخا وأطفالا. حجم الإقبال شكل صفعة قاسية ل"دواعش" الكويت والمنطقة والمتعاطفين معهم من ذوي النهج التكفيري، والذين كانو يظنون أنهم باستهداف المساجد والحسينيات سيحجمون من حضورها، وهذا ما يجب أن يعطي دافعا للقائمين على هذه المراكز بالإصرار على إقامة أنشطتها المعتادة طوال العام.
في مقابل ملئ المجالس بجموع المعزين فإن الأمر الآخر الملفت لأجواء عاشوراء هذا العام أنها خلت بشكل كبير مما يعرف ب "المضايف" التي كانت تملأ شوارع عدد من المناطق وذلك على ما يبدو بسبب رفض الجهات المعنية إصدار تراخيص إقامتها لدواع أمنية. نعم لا أنكر أن تكدس بعض المضايف في أماكن معينة كان يسبب نوعا من الفوضى والاختناقات المرورية، لكن غيابها شبه التام أثر بشكل كبير على "روحية" الأجواء العاشورائية التي كنا نعيشها في كل عام. هذا الأمر يتطلب منا إعادة النظر في كيفية إقامة هذا المضايف ومحتواها، زمانها ومكانها، كي تعود من جديد في الأعوام القادمة بصورة تليق بحجم قضية الحسين. ولا يفوتني أن أشير إلى أن الإقبال على مجالس اللطم - إن صح التعبير - كان ضعيفا أيضا بالمقارنة مع السنوات الماضية ما ترك أثرا بشكل أو بآخر على الصورة العامة لمحرم الكويت هذه السنة.

خلاصة الأمر أن محرم هذا العام كان "مختلفا" عما اعتدناه - أو هكذا شعرت على المستوى الشخصي - لكن ليس إلى درجة التنازل عن حضور المجالس العاشورائية والتي تعد من أعظم إن لم تكن أعظم الشعائر الحسينية. لذا وبعد أن سكبنا العبرات على مصيبة الحسين عليه السلام كما سكبناها على شهداء الوطن في مسجد الصادق فهذا وقت أخذ العبرة والدرس من الموسم العاشورائي الأخير وهو ما لن يتحقق إلا بتضافر الجهود الشعبية والرسمية للحفاظ على مسيرة إحياء الذكرى الحسينية بالصورة اللائقة وتأصيلا للدفاع عن المكتسبات الدستورية ودور الدولة المدنية.

قطرة؛
* تحية إلى قوات الأمن وفرق الطوارئ الميدانية التي كانت متواجدة طوال الليالي الماضية لتأمين حياة وراحة المعزين بمصاب سيد الشهداء.
** كثير من الحسينيات للأسف تفتقد الخدمات و المرافق الخاصة بذوي الإعاقة الحركية وكبار السن، ومما لا شك فيه أن هذا من أسباب عزوف تلك الفئات ومن يعتني بها عن الحضور، ومنا إلى المعنيين!

15‏/10‏/2015

شعائر خاوية!

قبل أن أتهم ب"معاداة الشعائر الحسينية" عطفا على عنوان المقال وقبل الدخول في أصل الموضوع، لا بد لي من توضيح النقاط التالية:
أولا: أنني أؤمن إيمانا مطلقا بأن الشعائر الحسينية كانت وما زالت وستبقى سببا رئيسيا لحفظ قضية عاشوراء. ثانيا: لما كانت هذه الشعائر تتعلق بالدين فإن تحديد جوازها من عدمه بل مبدأ كونها شعائر أصلا هو من اختصاص أهل العلوم "الدينية" ممن بحث في الأدلة لا غيرهم، لذا فإن أي رأي يطرح من قبل اي طرف آخر مهما كان مقامه لن يعدو عن كونه كلاما بلا وزن "شرعي". ثالثا: من الطبيعي أن يحدث الاختلاف بين العلماء - وهنا أشدد على كلمة علماء - في قضايا هي ليست من أصول الدين خصوصا لمن ينتهج مدرسة أهل البيت عليهم السلام، المدرسة التي فتحت باب الاجتهاد على مصراعيه في استنباط الأدلة الشرعية لما يتعلق بحياة الناس وهو ما يميز هذه المدرسة عن بقية المدارس، وعليه فاختلاف الرأي حول  الشعائر أمر وارد جدا. ورابعا: إن احترام الرأي والرأي الآخر هي من القيم الإنسانية السامية لذا فإنه مهما بلغ الاختلاف بين أصحاب الرأي فهو محكوم بإطار الاحترام، فمتى ما خرج عن هذا الإطار يكون قد خرج عن "إنسانيته" بشكل أو بآخر.

بعد هذه المقدمة أقول إن ما يجري في كل عام قبيل وأثناء موسم عاشوراء الحسين عليه السلام من جدل حول بعض الشعائر وما ينتج عن هذا الجدل من تسفيه طرف أو إخراج آخر من الملة أصبح مدعاة "للغثيان"، فقد سئمنا كثرة التركيز على موضوع الشعائر وكأن تاريخ 1400 سنة من هذه الثورة المباركة اختزل بمشروعية هذه الممارسات من عدمها. وهذا الكلام لا يعني بأي حال من الأحوال السكوت عن ممارسات قد تشوه بطولات ملحمة الطف لمجرد أنها ترتبط باسم الحسين - والحسين منها بريء - لكن ونظرا لحساسية هذه القضية فالتعامل معها يجب أن يتم بالحكمة والموعظة الحسنة والتزام نهج العلماء الأجلاء في التعاطي معها.
إن جوهر قضية الحسين عليه السلام هو "الإصلاح في أمة جده" كما عبر عنه سيد الشهداء نفسه، ولكننا وللأسف أشغلنا شبابنا وناشئتنا عن هذا الجوهر بالتركيز المبالغ فيه على القشور وإلا لما كان حال أمة المصطفى على ما هو عليه اليوم من الانكسار والذل إلا ما رحم ربي. أليس الأجدر بدل التراشق حول قضية شعائر الحسين أن يسأل كل واحد منا نفسه ماذا قدم لإصلاح أمة جد الحسين؟ هل نمتلك كأفراد أو مجاميع، مؤسسات أو جمعيات، تيارات أو أحزاب مشاريع إصلاحية نبتغي من ورائها رضا الحسين؟ إن نظرة خاطفة في تراث أتباع مدرسة سيد الشهداء تخبرنا أن التاريخ لم يخلد إلا ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ممن أسس أو شيد أو تابع على بناء الإصلاح في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فليسأل كل منا نفسه: أين نحن من هذا كله اليوم؟

مع بزوغ فجر المحرم يحين موعد أذان السماء بإقامة شعائر الله، شعائر الحزن على رزء الحسين، لكنه أيضا موعد تجديد عقد الولاء لمشروع الإمام الأسمى، مشروع إصلاح الأمة، وإن لم تقترن شعائرنا بهذا المشروع السماوي فستبقى مجرد طقوس .. خاوية.

قطرة:
ما تشهده القدس اليوم من انتهاكات وقتل هو خير شاهد على الظلم "اليزيدي" الذي تنتهجه إسرائيل وحلفائها من صهاينة العرب قبل الغرب، لكن ما يدعو للأسى هو عدم اكتراث بعض "المؤمنين" - ولو بالقلب - لما يجري على أبناء فلسطين .. على هؤلاء مراجعة "شعائرهم"!

6‏/10‏/2015

بين سعد وماجد

لا أتذكر من شخصية "سعد" سوى وجهه الذي كان ملازما لعدد من المرافق السياحية كالمدينة الترفيهية والجزيرة الخضراء ومجلدا في مكتبة والدي ضم بين دفتيه أعدادا من المجلة التي حملت اسمه (سعد)، فقد كانت المجلة الأولى من نوعها التي عنيت بأدب الطفل والناشئة على مستوى الخليج العربي بل من أوائل مجلات الأطفال في العالم العربي حيث يعود تاريخ إصدارها إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي. ارتباطي كان أكثر بالإمارتي "ماجد" فقد لقت تلك المجلة انتشارا واسعا في الكويت لا سيما وأنها كانت تصدر اسبوعيا فكنا ننتظر بشغف وصولها في كل أربعاء لنقرأ مغامرات كسلان جدا، وموزة وأخوها رشود، والنقيب خلفان، والاختين دانة وشمسة، وطبعا لا أنسى فضولي!

كنت أظن ان هذه المجلات أصبحت نسيا منسيا، لكني تفاجأت قبل أيام بأن مجلة ماجد تحولت من مجرد رسوم مطبوعة إلى قناة فضائية بل مؤسسة للترفيه مخصصة للأطفال أطلقتها مؤسسة أبوظبي للإعلام في سبتمبر المنصرم. لم أستطع مقاومة الطفل الذي بداخلي فوجدتني مجبرا على متابعة بعض برامج القناة والتي تدور بشكل رئيسي حول شخصيات المجلة التي عشنا معها أيام الطفولة. قد يصعب - في هذا الوقت المبكر - الحكم على نجاح هذه التجربة من عدمها، لكن فكرة إطلاق القناة بحد ذاتها تعد نجاحا لحكومة أبوظبي والتي شهدت في السنوات الأخيرة قفزة نوعية في المجال الثقافي والإعلامي جعلتها في مقدمة الدول العربية. فبدل الاعتماد على دبلجة برامج الأطفال العالمية وتقديمها للناشئة العرب كما كان دأب بعض القنوات العربية المخصصة للأطفال، جاءت مؤسسة ماجد بمشروع "محلي" مستلهم من الثقافة الإماراتية العربية ليعطي بذلك بعدا جديدا لصناعة (إعلام الطفل العربي). وبالنظر إلى زمن التكنولوجيا "المجنونة" الذي نعيشه مع أطفالنا أصبح من الصعب جدا مقاومة البرامج "المعربة" مع كل ما تحويه من ثقافة لا تمت إلى قيمنا العربية والإسلامية بصلة، ومن هنا تأتي أهمية هذا المشروع الذي أطلقته أبوظبي.

وفي مقابل غزو "ماجد" الإماراتي لفضاء الإعلام، فإن وضع صديقنا الكويتي "سعد" يبعث بالحسرة وخيبة الأمل ! فلم يبق من المجلة "الرائدة" على مستوى أدب الطفل العربي إلا الذكرى، بل حتى الشبكة العنكبوتية كانت شحيحة في تقديم المعلومات حول المجلة مما يدل على مدى الإهمال الشديد الذي طال "سعد" وهو الذي كان يكبر "ماجد" بحوالي 10 سنوات ! نعم، فلم يعد التفوق الإماراتي مقتصرا على الجانب السياحي والعمراني والاقتصادي والرياضي، ف"ماجد" اليوم هو ثمرة تفوق الإمارات في جانب الثقافة والإعلام والذي يأتي نتيجة الاجتهاد والإخلاص والرؤية السليمة لحكومة أبوظبي، وما واقع "سعد" إلا نتيجة طبيعية للتخلف الحكومي الكويتي الذي شهدته خلال أكثر من عقدين من الزمن وبات من الضروري معه أن نقوم كآباء بتطعيم أبنائنا بلقاح يقيهم شر هذا التخلف ومضاعفاته لا سيما على الجانب الاخلاقي.

بين الإماراتي "ماجد" والكويتي "سعد" تتجلى لنا رؤى قيادية، رؤية جعلت من الاستثمار البشري هدفا واضحا ليصبح  ماجد معها "رائدا للفضاء"، ورؤية أخرى "مظلمة" ليس فيها للإنسان محل للاستثمار إلا من خلال كسب "القروش" وتكبير "الكروش".

27‏/6‏/2015

كي لا نكون متهمين بدماء أبنائنا !

ماذا بعد أن نفضنا عنا غبار الشهداء الطاهر؟ هذا السؤال الذي بات ملحا ويدور في خلد كل مواطن لا سيما من الشيعة يحتاج منا وقوفا وتفكيرا مليا، فما جرى لم يكن حادث انقلاب باص أو سقوط طائرة أو وقوع سقف متهالك! ما وقع جريمة قتل بشعة، عمل إرهابي لا طالما كنا نسمع عنه في بلدان مجاورة يحصد أرواح اﻷبرياء فإذا بنا نصبح على وقعه بين ظهرانينا. فالكويت قبل السادس والعشرين من يونيو 2015 كانت هدفا محتملا للإرهاب، لكنها منذ هذا التاريخ انضمت إلى خريطة الإرهاب وهدفا مؤكدا له قد يطل برأسه في أي وقت من جديد لا سيما وأن الأرضية الإرهابية مهيأة، تلك اﻷرضية التي طالما حذرنا منها لا سيما بعد وقوع 3 حوادث مماثلة في في إحساء المملكة، وطالبنا الحكومة بأن تتخذ التدابير اللازمة لدفعها إلا أنها دفنت رأسها في التراب حتى "طاح الفاس بالراس" ليودي بحياة قرابة الثلاثين من أبناء وطني واصابة اكثر من 200 ! لا أريد التركيز على الأسباب التي أدت إلى وقوع مأساة مسجد الإمام الصادق فهي تبدو واضحة وجلية للجميع، بدءا من تغذية الفكر التكفيري في عقول أبنائنا في المؤسسات التعليمية، وصولا إلى غض الطرف عمن تجاهر بدعم الإرهاب ورفع السلاح والقتال في صفوف الجماعات المسلحة، ناهيك عن التعامل الرديء والانتقائي مع تطبيق قانون الوحدة الوطنية، وفوق ذلك كله التقصير اﻷمني في التعامل مع التهديدات الإرهابية. ما أريد التركيز عليه في هذه العجالة هو كيفية معالجة كل ذلك من خلال طرح بعض النقاط التي سبق وطرحها لعله العشرات قبلي لكن أجد لزاما أن نؤكد عليها علها تصل إلى المعنيين، فكلنا اليوم مسؤول عن معالجة ما جرى وكلنا سنكون في قفص الاتهام - كل حسب مسؤوليته - ان تكررت الفاجعة لا سمح الله.

أولا: الجانب الفكري

لا شك إن ما جرى من قتل للمصلين في سجودهم إنما كان نتيجة حتمية لفكر صور هؤلاء المؤمنين على مدى سنوات بل قرون بأنهم "مشركون" و "مبتدعون". فكر مستلهم من آراء وفتاوى شيخ الإسلام ومجدده - كما يحلو للبعض تسميتهم -  فصارت أفكارهم تدرس في مناهجنا الدراسية وصار تراثهم يملئ مكتباتنا العامة والخاصة. فاﻷولوية المقدمة على كل أمر هي محاربة هذا الفكر التكفيري وهو ما يتطلب شجاعة صناع القرار ان كنا نريد انتصارا لسماحة الدين ووحدة الوطن. ومن الجدير لحاظ ما يلي من خطوات في هذا الجانب:

1- تعديل المناهج الدراسية: وهو الأمر الذي كان وما يزال مثار جدل واسع، فالتلقين بالصغر بأن الشيعة "مشركون" هو ما جعل البعض في كبره يراهم فعلا كذلك، فاسترخص دمائهم "قربة لله"!! وان كان وزير التربية الحالي اتخذ قرارا بهذا الصدد إلا أننا لمسنا مؤخرا منه تهاونا وتراجعا امام المناوئين لهذا التعديل في المناهج. أما وقد جرى ما جرى في مسجد الصوابر فلا مناص من اتخاذ القرار الجريء بتعديل المناهج وذلك بحذف كل ما من شأنه توهين مذهب أو طائفة، بل الأجدر في مجتمع متعدد الطوائف أن تدرس مادة التربية الإسلامية كل على حسب مذهبه وعقيدته في جو من تعزيز ثقافة الاختلاف والعيش المشترك، وهو اﻷمر الذي بدأت به فعلا سلطنة عمان ولنا في مناهجها اسوة حسنة.

2- كلية الشريعة: لست ممن يدعو لإغلاق هذه الكلية مع كل ما يثار حولها من أنها منبع لكثير من الأفكار المحرضة على الكراهية -والشواهد على ذلك متعددة- بل الواجب اجتثاث أصحاب الفكر التكفيري منها والعودة إلى مناهج الإسلام المتسامح كما في كثير من الجامعات العربية كاﻷزهر وغيره. بل الواجب أن يكون مذهب أهل البيت (أي مذهب الشيعة الأمامية) مما يدرس في هذه الكلية إن كانت الحكومة والمؤسسات التعليمية جادة في تعزيز الوحدة الوطنية.

3- وزارة الأوقاف: ورغم أن الاسم الرسمي للوزارة هو وزارة اﻷوقاف والشؤون الإسلامية إلا أن الواقع هو انها وزارة للشؤون الإسلامية "السنية"، فنصيب الشيعة فيها ليس إلا مجرد إدارة للوقف الجعفري وعدد "خجول" من المساجد لا يكاد يقارن بعدد مساجد أنفسنا السنة. فالمطلوب إذا أن يكون للشيعة في هذه الوزارة دور أكبر وهو ما من شأنه تعزيز الفكر المتسامح بين الطوائف. وعلاوة على ذلك يجدر بالوزارة وبقية المؤسسات الحكومية مراجعة ملفات أئمة المساجد وأصحاب تراخيص الجمعيات والمدارس وتوقيف كل من له تاريخ "أسود" بالتطاول على المذاهب والحض على الكراهية مع توقيع العقوبة عليه. ولا يفوتني التذكير بالعمل على منع الكتب والتراث المبني على الكراهية وهو اﻷمر الذي يبدو أن الوزارة بدأت به فعلا على أمل أن تستمر في هذا المسعى بشكل جدي.

4- الحسينيات: نعم، فرغم كل دعوات مراجعنا العظام لنبذ الفرقة والحفاظ على وحدة الصف الإسلامي وتحريم التعرض لرموز المذاهب الإسلامية بل والدينية الأخرى، نجد أن هناك من لا يلتفت لذلك الأمر ويضرب به عرض الحائط (عن عمد او غفلة)، فتقوم بعض المجالس الحسينية باستضافة هؤلاء الخطباء ما يثير حفيظة الطرف الآخر فيؤدي ذلك إلى مزيد من الشحن الطائفي لا سيما في عصر التواصل الالكتروني. فالفطنة تقتضي الالتفات لهذا اﻷمر والحرص على اختيار الخطباء اصحاب الطرح الهادئ كي لا تكون ذريعة بيد السفهاء ومثيري الفتن.

ثانيا: الجانب القانوني

استبشرت كغيري بإقرار قانون الوحدة الوطنية الذي أقره مجلس اﻷمة في 2012، لكن هذا القانون كعشرات القوانين خاضع للمزاج الحكومي مع غياب الرقابة الفعلية من مجلس اﻷمة على تطبيقه. وﻷني مؤمن بأن الاعتماد الكلي على الحكومة والمجلس "ما يوكل خبز" فالأولى إذا أن يقوم المواطنون بحمل هذا العبء وذلك من خلال تشكيل مجموعة (أو مجموعات)  من القانونيين والإعلاميين وظيفتهم رصد أي انتهاك للوحدة الوطنية - وليس على المستوى المذهبي وحسب - ورفع القضايا على منتهكيها وعدم التهاون في هذا اﻷمر تحت ذريعة " الاستقرار"، فكل تهاون أو "تسامح" في هذا اﻷمر إنما يمثل خنجرا يطعن قلب الوطن. وإن كان هناك من يمكن مداراته بالحسنى، فالبعض "ما يجون إلا بالعين الحمرا" ولا يكف عن النباح إلا بسماعه جرس القانون. ومع اﻷسف ما يزال أمثال هؤلاء الكلاب طلقاء حتى وصلت بهم الوقاحة أن يصدروا بيان استنكار لما جرى في مسجد الصادق وهم وباﻷمس القريب وصموا الشيعة بالفئة الضالة وحرموا تعزيتهم في مساجدهم وحسينايتهم ! فأي وحدة ننشدها ونحن نسمح لهؤلاء بالنباح ليلا ونهارا؟

ثالثا: الجانب السياسي

وهنا يأتي دور مجلس اﻷمة وأعضائه المنتخبين للنهوض بمسؤولياتهم، فالقوانين والاقتراحات والرغبات المتعلقة بالجانب الوطني"مثل الهم على القلب"، ومع ذلك فالحكومة لا تسعى إلى إقرارها أو تطبيقها، بل اﻷنكى أن يرى الأعضاء ذلك رأي العين ولا يسائلون الحكومة، وإن ساءلو فعلوا "رفعا للعتب"! إنكم يا أعضاء مجلس اﻷمة - وأخص الشيعة منهم - أشد المسؤولين عن كل ما جرى ويجري من أي اعتداء على الوحدة الوطنية، فأنتم أصحاب سلطة ولكم أن تفعلوا الكثير إلا إن اخترتم العكس ولن ينفع بعد اليوم عذر. فكما أن الجهات اﻷمنية متهمة بالتقصير في التعامل مع التهديدات الإرهابية والتي كان نتيجتها تفجير مسجد الإمام الصادق عليه السلام، فأنتم متهمون أيضا بالتقصير في مساءلة الجهات المختصة ولن يرفع الحرج عنكم كلمة في المجلس أو تصريح لوسيلة إعلام. اليوم نواب الشيعة هم أكثر من يتحمل مسؤولية أي انتهاك للوحدة الوطنية بأي صورة كانت سواء من تمييز في التوظيف في مناصب و جهات معينة، وصولا إلى بث السموم في وسائل الإعلام وانتهاء بالقتل على الهوية كما جرى في جمعة رمضان الحزينة، بل المناط بهم متابعة كل ما طرحناه آنفا في المحورين السابقين والعمل الدؤوب نحو تحقيق هذه المكتسبات.

رابعا: الجانب الاجتماعي

فكما أسلفت، فالاعتماد الكلي على الحكومة والمجلس "ما يوكل خبز" بل هو خطيئة ! نعم مسؤوليتنا كمواطنين حسن اختيار من يمثلنا في المجلس كي يكون عينا على الحكومة يراقبها ويدا تقوم اعوجاجها، لكن لا يجب أن نخدع أنفسنا بهذا الكلام ونكتفي به، فديمقراطيتنا ما زالت "عرجاء" ونظامنا السياسي يعاني من التخلف إذا ما قورن بغيره ! من هنا علينا أن ننهض بأعبائنا وذلك من خلال:

1- "كل مواطن خفير": ما حدث في مسجد الإمام الصادق لم يكن ليحدث بذات البشاعة لو أن القائمين على المسجد اتخذوا مما حدث في العنود والقديح عبرة، فالواجب اليوم إذا أن يقوم كل مسجد وكل حسينية بتدريب كوادرهم على التعامل مع هذه الظروف تدريبا متكاملا، تنظيميا وأمنيا وطبيا وإعلاميا، لا سيما وأننا مقبلون على ليال القدر وموسم عاشوراءالحسين عليه السلام.

2- "اخوان سنة وشيعة": لا يكفي أن نردد هذه الكلمة في المناسبات والمصائب بل يجب علينا ان نعيشها حقا وان نغذيها ﻷبنائنا ونبتعد أن أي أمر قد يشعل فيهم شرارة الكراهية. فالكويت كانت وستبقى بلد السلام والعيش والمشترك والفضل بذلك بعد الله ﻷهلها وتسامهحم منذ أن قامت للكويت قائمة.

3- "مذهبي وافتخر فيه": للأسف فبعض الشيعة كي لا يوصم بالطائفية صار يستنكف حتى من ممارسة "شيعيته"، فيسهل عليه التندر على مذهبه وطقوسه وامام المﻷ، وهو لا يعلم بأنه بذلك يسيء إلى وطنه قبل أن يسيء إلى مذهبه. فإن كان من حق السني ان يرى أن مذهبه هو الحق، فمن حقنا أن نرى مذهبنا كذلك ولا يجب أن يكون ذلك سببا "للمستحى" ! فعلينا نحن قبل الحكومة و المجلس بأن نؤمن بأننا مواطنين "درجة أولى" وأن لنا في هذا الوطن كما لغيرنا من حرية العقيدة والكلمة والرأي، وعلينا قبل غيرنا أن نعزز ثقافة العيش المشترك في دولة مدنية يكون فيها "الدين لله والوطن للجميع".

هذه بعض الأفكار من عصف ذهني جمعتها من مختلف النقاشات التي دارت وما زالت تدور حول وضع الشيعة ومستقبلهم في الكويت، وانا على يقين اني قد غفلت عن بعض اﻷمور لكن هذا ما جادت به بنات فكري. اليوم كلنا مسؤلون عن هذا الوطن وبقائه وأمنه وعلينا جميعا العمل على حفظه كي لا تتكرر فاجعة "شهداء الصلاة والصيام" ونكون عندها كلنا في قفص الاتهام.

رحم الله شهداء الوطن ومن على الجرحى بالشفاء.. وحفظ الله الكويت.