ما جرى في يوم عاشوراء على سبط النبي وأهل بيته الإمام الحسين عليه السلام كان مصيبة على أهون وصف مهما حاول بعض مرضى القلوب صرف النظر عن ذلك إلى كونه يوم فرح وسرور. يوم المصيبة - بل قل موسم المصيبة - حل علينا في الكويت في ظرف استثنائي،حيث أنه الأول من بعد مصيبة أخرى ألمت بالكويت وأعني بذلك فاجعة تفجير مسجد الإمام الصادق عليه السلام. وليس أمض فجيعة مرت على تاريخ الكويت بعد الغزو البعثي الغاشم كفجيعة قتل عدد من الأبرياء أثناء صلاتهم داخل بيت من بيوت الله في وضح نهار شهر رمضان، لا لسبب إلا لانتمائهم المذهبي. فكيف أرخت مصيبة مسجد الصادق بظلالها على إحياء ذكرى مصيبة الحسين؟
قبل أن أسترسل في المقال لا بد من التنويه إلى أن ما سأسرده لا يعدو عن كونه محاولة لنقل بعض المشاهدات الفردية لأجواء الموسم العاشورائي والتي ارتبطت برأيي بشكل مباشر بتبعات تفجير مسجد الإمام الصادق، وهي كذلك بمثابة دعوة لدراسة هذا الموسم "الاستثنائي" من قبل المعنيين بالإشراف على الحسينيات وما يمتلكون من علاقات اجتماعية وسياسية.
لعل التحدي الأبرز الذي كان ينتظر موسم عاشوراء في الكويت هو مدى الإقبال على مجالس الحسين عليه السلام لا سيما في ظل الوضع الأمني الحساس الذي تعيشه المنطقة، لكن - ومن جديد بناء على مشاهدات فردية - كان الإقبال على المجالس جيدا جدا، بل إن لم يتفوق على المواسم السابقة فهو بالحد الأدنى لم ينحسر. ورغم خبر استشهاد عدد من حضور أحد المجالس - بينهم فتاة عشرينية - بمنطقة سيهات شرق السعودية في الليالي الأولى من محرم هذا العام على يد دواعش المملكة، فإن ذلك لم يزد المعزين هنا في الكويت إلا إصرارا على الحضور، رجالا ونساء .. شيوخا وأطفالا. حجم الإقبال شكل صفعة قاسية ل"دواعش" الكويت والمنطقة والمتعاطفين معهم من ذوي النهج التكفيري، والذين كانو يظنون أنهم باستهداف المساجد والحسينيات سيحجمون من حضورها، وهذا ما يجب أن يعطي دافعا للقائمين على هذه المراكز بالإصرار على إقامة أنشطتها المعتادة طوال العام.
في مقابل ملئ المجالس بجموع المعزين فإن الأمر الآخر الملفت لأجواء عاشوراء هذا العام أنها خلت بشكل كبير مما يعرف ب "المضايف" التي كانت تملأ شوارع عدد من المناطق وذلك على ما يبدو بسبب رفض الجهات المعنية إصدار تراخيص إقامتها لدواع أمنية. نعم لا أنكر أن تكدس بعض المضايف في أماكن معينة كان يسبب نوعا من الفوضى والاختناقات المرورية، لكن غيابها شبه التام أثر بشكل كبير على "روحية" الأجواء العاشورائية التي كنا نعيشها في كل عام. هذا الأمر يتطلب منا إعادة النظر في كيفية إقامة هذا المضايف ومحتواها، زمانها ومكانها، كي تعود من جديد في الأعوام القادمة بصورة تليق بحجم قضية الحسين. ولا يفوتني أن أشير إلى أن الإقبال على مجالس اللطم - إن صح التعبير - كان ضعيفا أيضا بالمقارنة مع السنوات الماضية ما ترك أثرا بشكل أو بآخر على الصورة العامة لمحرم الكويت هذه السنة.
خلاصة الأمر أن محرم هذا العام كان "مختلفا" عما اعتدناه - أو هكذا شعرت على المستوى الشخصي - لكن ليس إلى درجة التنازل عن حضور المجالس العاشورائية والتي تعد من أعظم إن لم تكن أعظم الشعائر الحسينية. لذا وبعد أن سكبنا العبرات على مصيبة الحسين عليه السلام كما سكبناها على شهداء الوطن في مسجد الصادق فهذا وقت أخذ العبرة والدرس من الموسم العاشورائي الأخير وهو ما لن يتحقق إلا بتضافر الجهود الشعبية والرسمية للحفاظ على مسيرة إحياء الذكرى الحسينية بالصورة اللائقة وتأصيلا للدفاع عن المكتسبات الدستورية ودور الدولة المدنية.
قطرة؛
* تحية إلى قوات الأمن وفرق الطوارئ الميدانية التي كانت متواجدة طوال الليالي الماضية لتأمين حياة وراحة المعزين بمصاب سيد الشهداء.
** كثير من الحسينيات للأسف تفتقد الخدمات و المرافق الخاصة بذوي الإعاقة الحركية وكبار السن، ومما لا شك فيه أن هذا من أسباب عزوف تلك الفئات ومن يعتني بها عن الحضور، ومنا إلى المعنيين!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق