10‏/6‏/2016

شهداؤنا .. واليهود !

فجأة يتوقف الجميع عن عمله، ينزل الركاب من سياراتهم في منتصف الطريق، يقفون ملتزمي الصمت وكأن القيامة قامت. إنه السابع والعشرون من نيسان "الآشوري" وتحديدا في الساعة العاشرة صباحا بتوقيت القدس، حيث تعج سماء إسرائيل بصوت صافرات الإنذار إيذانا بالذكرى السنوية للهولوكوست أو ما يعرف في الإرث اليهودي باسم "عيد المحرقة". بهذا "الطقس" وغيره من الطقوس والفعاليات يتذكر اليهود في العالم وتحديدا في إسرائيل ما جرى على أسلافهم من مجازر على يد النازيين كي تبقى شعلة الغضب متقدة فيهم وحتى لا تنسى أجيالهم المتأخرة ما وقع على المتقدمين منهم من ظلم.

قد تكون المقارنة بين محرقة اليهود وفاجعة تفجير مسجد الإمام الصادق التي نعيش ذكراها السنوية غير دقيقة، فلا حجم الضحايا ولا الخلفية التاريخية للحديثين بالمتشابهة. لكني أجد قاسما مشتركا بينهما يتمثل في مبدأ القتل على الهوية، فعنصرية النازيين كانت دافعا أساسيا لإبادة اليهود، كما كانت طائفية داعش التكفيرية محركا لسفك دماء شهداء الصادق. فشهداؤنا لم يقتلوا لرفعهم سلاحا، ولا لكلمة قالوها، ولا لثورة قاموا بها، ولا حتى لخطر كانو يمثلونه على قتلتهم، بل قتلوا بدم بارد وهم في حال السجود لا لشيء إلا لأنهم "روافض". اليوم وبعد انقضاء عام على هذه الفجيعة، كنا نتطلع أن تسخر الحكومة أجهزتها الإعلامية وبرامجها الثقافية وخطبها الدينية لإحياء هذه الذكرى الأليمة لا سيما وأنها تمثل مناسبة مثالية لتعزيز الوحدة الوطنية ونبذ الكراهية، نستعين بها على ما ألم بمجتمعنا من سرطان الطائفية. نعم كنا نتطلع، لكن لم نكن نتوقع هذا التفاعل من المؤسسات الرسمية مع ذكرى شهداء "الصلاة والصيام"، فالتقصير كان دأب الحكومات المتعاقبة مع شهداء الوطن وليس شهداء مسجد الصادق وحسب. وهنا لا نتحدث فقط عن إهمال تكريمهم الرمزي من قبيل تخصيص يوم "رسمي" باسم "الشهيد"، أو إطلاق أسمائهم على الطرق والشوارع والضواحي والمباني أسوة بالزعماء والشيوخ والتجار وغيرهم ممن لا يعرف له تاريخ حتى. بل الإهمال الحقيقي يتجلى في معرفة أن عددا من أبناء هؤلاء الشهداء - ومنهم شهداء مسجد الصادق - ما يزال محروما من حق الجنسية، وأي شرف أعظم من الشهادة تستحق معه الجنسية؟ والأنكى من ذلك أن جريمة طائفية بهذا الحجم لم تحرك في وجدان الحكومة شعور الخجل من سكوتها الطويل عن نباح التكفيريين والإقصائيين والمخونين، بل تجاهلت حتى توجيهات سمو الأمير ولم تعر لموقفه الأبوي الحاني آنذاك اهتماما حقيقيا يترجم إلى مشروع وحدوي حقيقي، فما زال الطائفيون ينخرون في جسد الوطن وما زالت مظاهر الإقصاء والتخوين تطل برأسها حتى في المؤسسات الرسمية دون رادع مهما حاولت الحكومة إظهار نفسها بمظهر الحريص على لحمة الشعب. أفلا يعد ذلك كله إهانة واسترخاصا لدماء الشهداء؟

دماء الشهداء والضحايا كانت دائما ركيزة تنطلق منها الأمم لتصنع التاريخ، وعلى الرغم من كل جرائم اسرائيل بحق الإنسانية إلا أنها نجحت بفرض "مظلومية اليهود" وما فعله هتلر وحزبه بحقهم، فأصبحت النازية مجرمة ومعاداة السامية محرمة في أنحاء المعمورة. ولعمري لو كان ما جرى على مسجد الإمام الصادق قد حدث في معبد لليهود، لبقي العالم يستنكر هذه الجريمة ويدينها لسنوات، أفلا نتعلم ذلك من اليهود؟

قطرة:
تحية إجلال للقائمين على قناة الكوت لتخصيصهم برنامج رمضاني لشهداء المسجد الأبرار، فقد أضاؤا شمعة وسط ظلمات الفضائيات