20‏/7‏/2023

بين هجرة محمد وهجرة الحسين

 "وهاجر إلى بلاد الغربة، ومحل النأي عن موط رَحلِه، وَمَوضعِ رِجلِه، وَمَسقَطِ رَأسِه، وَمَأنَسِ نَفسِه، إرادةً مِنهُ لإعزازِ دينك، واستِنصاراً على أَهلِ الكُفرِ بِك "

وردت هذه الكلمات عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وللوهلة الأولى قد يظن قارئها أنها تصف والده الحسين عليه السلام، لكنها واقعا جاءت في حق جده النبي المصطفى صلى الله عليه وآله كما ورد في الصحيفة السجادية. لكننا إن أمعنا التدبر في هذه الكلمات، فالحق أنها لا تبتعد عن وصف حال الحسين عليه السلام، الذي ترك مسقط رأسه في مدينة جده ومأنس نفسه مع أهل بيته، لا لشيء إلا نصرة لدين الله على أهل الفجور العصيان، طلبا لإصلاح أمة محمد، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر.

هذا هو جوهر الهجرتين - هجرة محمد وهجرة الحسين - إصلاح الناس والحفاظ على القيم الإلهية في المجتمع الإنساني. ولذا مع بداية كل عام هجري، حري بالمسلمين جميعا، أن يعيدوا النظر في ما قدموه لأمة نبيهم، وكيف حفظوه وحفظوا تراث سبطه الشهيد من التحديات والفتن التي تحيط بهم. فالهجمة على الإسلام اليوم لم تعد أمرا شاذا ولا عملا فرديا، بل أصبحت بدعم حكومات ودول تحت مسمى شعارات براقة في مظهرها زائفة في مكنونها، من قبيل حرية التعبير والاختيار والحب. فبعد أن يأس الغرب المستكبر من حيلة "الإسلاموفوبيا" ودعمه لجماعات الإرهاب على مدى عقود، بات يستهدف اليوم عقول الناشئة والأطفال عبر تطبيع الشذوذ الجنسي الذي هو خلاف الفطرة السليمة، أوليس الإسلام سوى هذه الفطرة؟ "فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها" (سورة الروم). فلم تكتفي تلك الدول بترويج هذه الثقافة الشاذة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال المحتويات الترفيهية التي تصنعها كبريات الشركات ورؤوس الأموال في الغرب، بل بات الشذوذ اليوم منهجا دراسيا يعلم في المدارس ويحتفل به ضمن فعاليات اليوم الدراسي، هذا ناهيك عن كون حملات ترويج الشذوذ أصبحت من مرتكزات الحملات الانتخابية لكثير من الساسة والأحزاب في هذه البلدان، عدا عن قيام سفارات هذه الدول بالترويج لهذه الثقافة المقززة عبر ما يسمى باحتفالات "شهر الفخر"، وفي عقر بلاد المسلمين دون أدنى احترام لمعتقدات مواطنيها. ولم تتوقف بعض الدول عن ضرب الإسلام عبر استهداف الفطرة السوية، بل هي اليوم تقوم عبر سفاراتها ومؤسساتها باستهداف ثوابت الدين الإسلامي. فباسم حرية التعبير أجازت حرق القرآن العظيم، وتشويه صورة النبي الأكرم. وباسم الحرية دعمت وما تزال الحركات النسوية المتطرفة لا سيما الداعية والداعمة لخلع الحجاب واعتباره "حرية شخصية" لا يتنافى عدم الالتزام به مع العقيدة الإسلامية !

ما يواجهه الإسلام اليوم من خطر الهوية لا يبتعد عما واجهه في صدر تاريخه حين اعتلى عرش الخلافة يزيد الفاسق المعلن بالفسق، شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، فقدم الحسين عليه السلام نفسه وعياله وأهل بيته حفاظا على الهوية التي هاجر لأجلها جده. والمسؤولية الكبرى التي تقع على عاتقنا اليوم، أفرادا وجماعات، هي الدفاع عن هوية الإسلام الحقيقية، لا تلك التي يريد الغرب الفاسق لها أن تكون بصورتيها القبحتين، إسلام متطرف وإسلام متفسخ. وليس الحضور في مجالس الحسين، وتكثير السواد فيها، إلا من مصاديق الدفاع عن هوية الإسلام ومقدمة له، وفاء للهجرة النبوية الشريفة، ولدم الحسين عليه السلام.

عظم الله أجوركم