30‏/10‏/2014

الحسين .. مشروع وطن

الحسين .. مشروع وطن

"يوم عاشوراء، الذي يمر علينا، نحن السنّة، ويذهب من دون أن يستذكر أكثرنا، ويا للعجب، أن ذاكرة هذا اليوم تحتفظ بواحدة من أعظم وأروع ملاحم التاريخ الاسلامي"
بهذه الكلمات عاتب الكاتب - ذو الخلفية السلفية - الدكتور ساجد العبدلي أبناء المذهب السني في مقال كتبه عام 2006 معبرا عن استيائه لعدم إظهارهم الاهتمام الحقيقي بالقيمة العظيمة لواقعة الطف حيث سطر فيها سيد الشهداء أبو عبدالله الحسين عليه السلام وثلة من أهله وأصحابه أروع ملاحم الصمود في كيفية مواجهة الاستكبار والبذل في سبيل إعلاء الحق.

نعم مؤسف أن نرى إهمال السواد الأعظم من السنة لقضية عاشوراء وهو إمام للجميع، قام مجاهدا أو قعد مسالما، كما في إشارة جده النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بل مما يدعو للأسف أكثر أن نرى غير المسلمين يعظمون قدر سيد شباب أهل الجنة ويتخذون من فاجعته بحورا لشعرهم وشعارات لثوراتهم، بينما يتخذ بعض أبناء أمة محمد يوم عاشوراء عيد فرح وسرور. ترى على من تقع مسؤولية هذا الإهمال الكبير ولماذا بات اسم الحسين مرتبطا بالمسلمين"الشيعة" فقط؟ لا أريد الدخول في عمق العوامل التي أدت إلى هجر الحسين لدى كثير من المسلمين، لكن أود تسليط الضوء على هذه القضية من واقعنا الكويتي.
أليس من المعيب ألا تولي الدولة بمؤسساتها المختلفة لا سيما التربوية والثقافية والإعلامية اهتماما بحجم هذه القضية؟ فواقعة الطف التي تعد أفظع فجيعة في التاريخ الإسلامي بل والبشري أيضا غائبة تماما عن مناهج وفعاليات وزارة التربية والمؤسسات التابعة لها والتي صارت علاقتها بيوم عاشوراء مجرد "تأجيل امتحانات"، وأجزم أن الوزارة بإهمالها لهذه الواقعة وبيان حقائقها الثابتة تاريخيا قد ساهمت بشكل أو آخر لما وصلنا إليه من حالة الاحتقان الطائفي الذي يمر به المجتمع. ذات الأمر ينطبق على المؤسسات الإعلامية التي نراها تصرف وببذخ على أعمال بعضها أقل ما يمكن وصفها به أنها "هابطة"، في حين ثورة عظيمة كثورة سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس لها ذكر في إعلامنا المحلي - والحكومي تحديدا - إلا ما رحم ربي. هذا عدا عن الغياب الكامل لوزارة الأوقاف في إحياء ذكر الحسين عليه السلام واستغلال هذه المناسبة لتكريس الوحدة الإسلامية والوطنية، بل على النقيض نجدها ترعى فعاليات رسمية لشخصيات لها رأي صريح بتحقير بل وتكفير فئات من المجتمع.

ولا يقع اللوم فقط على أبناء المذاهب السنية في هذا الإنصراف عن الإمام الحسين، بل من الشيعة أيضا من يتحمل جزء من هذا اللوم. ففي وقت يفترض أن يكون فيه المنبر الحسيني وسيلة لوحدة المسلمين، تخرج بعض الأصوات النشاز بطرح لا عقلاني أو استفزازي أحيانا - بقصد أو دونه - ما يعكر صفو الالتفات حول هذا المنبر الشامخ لا سيما مع وجود أبواق الفتنة التي تتربص بأي كلمة أو زلة لاستغلالها بإشعال نار الطائفية.

"لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبر، ولدعونا الناس إلى المسيحية بإسم الحسين" هذا ما قاله المسيحي أنطوان بارا في حق الحسين، واﻷجدر بنا نحن المسلمون أن نلتفت حول راية الحسين عليه السلام، تلك الراية التي جمعت تحت ظلها من كان أموي الهوى ك(الحر الرياحي) ومن كان نصراني الديانة ك(وهب الكلبي) بعدما رأو تجلي الحق في الحسين، جمع رجالا ونساء، شيبا وشبانا، سادة ومواليا، بيضا وسودا، فكانت عاشوراء بحق ملحمة إنسانية خالدة، وكان الحسين حقا .. وطنا للجميع.

4‏/10‏/2014

المضحك المبكي، وأحلام الفتى الهندي!

هل من الغريب أن يحلم الكويتي بأن يكون هنديا؟ ولم لا؟ فلو كنت هنديا اليوم لصار تحقيق حلم طفولتي بأن أكون "عالم فضاء" أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال، ولعلي كنت في هذا الوقت هناك في بنجالاور، المقر الرئيسي لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية، أتابع عن كثب المركبة الفضائية (مانجالايان) وهي تدخل مدار كوكب المريخ بعد رحلة دامت أكثر من 300 يوم، لتكون المنظمة الهندية بذلك رابع وكالة فضاء تغزو مدار الكوكب اﻷحمر بعد نظيراتها السوفيتية واﻷمريكية واﻷوربية محققة بذلك إنجازا آسيويا غير مسبوق.

لكن باعتباري فتى كويتي، فلست بصدد البحث عن أسباب نجاح الهند التي يعيش أكثر من 20% - كأفضل تقدير - من سكانها تحت خط الفقر في تحقيق هذا الانجاز، فما يهمني بالمقام اﻷول هو البحث في أسباب فشلنا في الوصول لما وصل إليه "الهنود". فعلاقة الكويت الدولة بكل ما يتعلق بالبحث العلمي لا تتعدى شعارات وكلمات تعلمناها في مدارس التعليم الحكومي عن اهتمام الدولة بهذا الجانب من خلال تأسيس معهد للأبحاث ومركز التقدم العلمي وجامعة "يتيمة" وهيئة التعليم التطبيقي التي باتت كلياتها أشبه ب"ملحق" للجامعة. فالواقع يقول بأن هذه المؤسسات العلمية مجتمعة تستفيد بما نسبته تساوي 0.1% أو أقل من إجمالي الناتج المحلي للدولة حسب مصادر حكومية وعالمية، وهي نسبة تعد من أدنى النسب على المستوى العالمي حين يتعلق اﻷمر باﻷبحاث. والمضحك المبكي أن ما تنفقه الكويت على التسليح العسكري يتجاوز ال 3% من إجمالي الناتج المحلي، أي بواقع 30 مرة أكثر مما تصرفه على البحث العلمي، وهي نسبة تضع الكويت في مصاف الدول اﻷكثر إنفاقا على السلاح - قياسا للناتج المحلي - متفوقة على دول كألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وحتى الهند، حسب تقرير البنك الدولي.
وإن كان اﻷمر يقتصر على شح الإنفاق على برامج البحوث العلمية لهان، لكن المسألة أكبر من ذلك. فسياسة الحكومات المتعاقبة تدخلت بوجهها القبيح في عمق المؤسسات العلمية والتعليمية، فصارت قيادة هذه المؤسسات تعطى على أساس الانتماء الفئوي لا القيمة العلمية، وصارت سياستها احتضان بل وتشجيع أصحاب الشهادات "الكرتونية" في الوصول إلى أعلى هرم المؤسسة العلمية، فلا غرابة أن يضيع البحث العلمي طريقه إلى هذا البلد إذا !

هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فكيف لنا أن نتوقع انتاجا علميا - أو حتى غير علمي - و المواطن الكويتي يعتبر العمل "طفارته" ؟ "يعطل" قبل العطلة، ويعطل بعد العطلة، وان حضر "دوامه" حضر متأخرا بساعة ويغادر قبل انتهائه بأخرى، وما بين ذلك يتفرغ لانتاج "تغريدات تويترية" أو "لايكات انستغرامية" على أنغام قرقعة فناجين القهوة و "استكانات الشاي" بانتظار راعي الفطاير، ذاك الفتى الهندي الذي أتى إلى الكويت "أرض اﻷحلام" عله يعود يوما إلى بلده مؤمنا لعياله ما يحقق به أحلامهم!

مفارقات مضحكة مبكية بين أحلام الفتى الكويتي الطامح لغزو الفضاء والفتى الهندي الطامح لتأمين لقمة عيشه، لكن المضحك حقا في ذلك كله بأن تكلفة برنامج المريخ الهندي قدرت ب 75 مليون دولار أي أقل من نصف تكلفة "استاد جابر" حسب مصادر رسمية!!
أما المبكي حقا في قصتنا هذه أن الهند غزت الفضاء حين تعايش بسلام في ظل دولة مدنية من يقدس البقرة مع من يذبحها، بينما في بلادنا، بلاد الإسلام، يقدم الإنسان "أضحية" العيد بدل البقر "قربة إلى الله تعالى" !!!