4‏/10‏/2014

المضحك المبكي، وأحلام الفتى الهندي!

هل من الغريب أن يحلم الكويتي بأن يكون هنديا؟ ولم لا؟ فلو كنت هنديا اليوم لصار تحقيق حلم طفولتي بأن أكون "عالم فضاء" أقرب إلى الواقع منه إلى الخيال، ولعلي كنت في هذا الوقت هناك في بنجالاور، المقر الرئيسي لمنظمة أبحاث الفضاء الهندية، أتابع عن كثب المركبة الفضائية (مانجالايان) وهي تدخل مدار كوكب المريخ بعد رحلة دامت أكثر من 300 يوم، لتكون المنظمة الهندية بذلك رابع وكالة فضاء تغزو مدار الكوكب اﻷحمر بعد نظيراتها السوفيتية واﻷمريكية واﻷوربية محققة بذلك إنجازا آسيويا غير مسبوق.

لكن باعتباري فتى كويتي، فلست بصدد البحث عن أسباب نجاح الهند التي يعيش أكثر من 20% - كأفضل تقدير - من سكانها تحت خط الفقر في تحقيق هذا الانجاز، فما يهمني بالمقام اﻷول هو البحث في أسباب فشلنا في الوصول لما وصل إليه "الهنود". فعلاقة الكويت الدولة بكل ما يتعلق بالبحث العلمي لا تتعدى شعارات وكلمات تعلمناها في مدارس التعليم الحكومي عن اهتمام الدولة بهذا الجانب من خلال تأسيس معهد للأبحاث ومركز التقدم العلمي وجامعة "يتيمة" وهيئة التعليم التطبيقي التي باتت كلياتها أشبه ب"ملحق" للجامعة. فالواقع يقول بأن هذه المؤسسات العلمية مجتمعة تستفيد بما نسبته تساوي 0.1% أو أقل من إجمالي الناتج المحلي للدولة حسب مصادر حكومية وعالمية، وهي نسبة تعد من أدنى النسب على المستوى العالمي حين يتعلق اﻷمر باﻷبحاث. والمضحك المبكي أن ما تنفقه الكويت على التسليح العسكري يتجاوز ال 3% من إجمالي الناتج المحلي، أي بواقع 30 مرة أكثر مما تصرفه على البحث العلمي، وهي نسبة تضع الكويت في مصاف الدول اﻷكثر إنفاقا على السلاح - قياسا للناتج المحلي - متفوقة على دول كألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وحتى الهند، حسب تقرير البنك الدولي.
وإن كان اﻷمر يقتصر على شح الإنفاق على برامج البحوث العلمية لهان، لكن المسألة أكبر من ذلك. فسياسة الحكومات المتعاقبة تدخلت بوجهها القبيح في عمق المؤسسات العلمية والتعليمية، فصارت قيادة هذه المؤسسات تعطى على أساس الانتماء الفئوي لا القيمة العلمية، وصارت سياستها احتضان بل وتشجيع أصحاب الشهادات "الكرتونية" في الوصول إلى أعلى هرم المؤسسة العلمية، فلا غرابة أن يضيع البحث العلمي طريقه إلى هذا البلد إذا !

هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشعبي فكيف لنا أن نتوقع انتاجا علميا - أو حتى غير علمي - و المواطن الكويتي يعتبر العمل "طفارته" ؟ "يعطل" قبل العطلة، ويعطل بعد العطلة، وان حضر "دوامه" حضر متأخرا بساعة ويغادر قبل انتهائه بأخرى، وما بين ذلك يتفرغ لانتاج "تغريدات تويترية" أو "لايكات انستغرامية" على أنغام قرقعة فناجين القهوة و "استكانات الشاي" بانتظار راعي الفطاير، ذاك الفتى الهندي الذي أتى إلى الكويت "أرض اﻷحلام" عله يعود يوما إلى بلده مؤمنا لعياله ما يحقق به أحلامهم!

مفارقات مضحكة مبكية بين أحلام الفتى الكويتي الطامح لغزو الفضاء والفتى الهندي الطامح لتأمين لقمة عيشه، لكن المضحك حقا في ذلك كله بأن تكلفة برنامج المريخ الهندي قدرت ب 75 مليون دولار أي أقل من نصف تكلفة "استاد جابر" حسب مصادر رسمية!!
أما المبكي حقا في قصتنا هذه أن الهند غزت الفضاء حين تعايش بسلام في ظل دولة مدنية من يقدس البقرة مع من يذبحها، بينما في بلادنا، بلاد الإسلام، يقدم الإنسان "أضحية" العيد بدل البقر "قربة إلى الله تعالى" !!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق