قبل أشهر قليلة أهدتني زوجتي رواية (فئران أمي حصة) للمبدع سعود السنعوسي بعد أن خاب مسعاي في الحصول عليها من مختلف المكتبات الكويتية، فما كان منها - بعد أن رأت اصراري على اقتنائها - إلا بطلبها من أحد المواقع الالكترونية لتقدمها لي. ومع علمي بمنع الرواية من السوق المحلي إلا أنني قمت بتفقدها على كل حال في جنبات معرض الكتاب - الذي اختتمت فعاليته يوم أمس - راجيا أن تكون عين الرقيب عن منعها قد سهيت، لكن ذلك لم يحصل بالطبع !
لم يكن البحث عن رواية السنعوسي التي تناولت بإتقان قضية الطائفية في المجتمع الكويتي هو هدفي الأساس، بل ذهبت وعلى قمة قائمة ما أود اقتناءه كتابان لمؤلفين كويتيين آخرين. الأول هو (محطات في تاريخ القرآن) للشيخ الدكتور مرتضى فرج، فالشيخ الفاضل من أكثر العلماء الذين يولون لبحوث القرآن اهتماما وبطريقة علمية خالصة وذلك من خلال متابعتي لسلسلة محاضراته، لذا كان الكتاب على رأس أولوياتي. ولأني شغوف بالتاريخ والسياسة لا سيما حين يتعلق الأمر بالكويت، فكان كتاب (التيار الوطني في الكويت؛ نظرة من الداخل) للأستاذ أنور الرشيد هدفا آخرا لمكتبتي الخاصة، فتاريخ هذا التيار بشخصياته ورموزه رسم ملامح عدة للعمل السياسي في الكويت فكان من المهم بالنسبة لي الاطلاع عليه. لكن يبدو أن عيون الرقابة وجدت في هذين الكتابين - الديني والسياسي - ما هو "مخل" بالأمن "الفكري" للمجتمع الكويتي إن صح التعبير، فقضت بمنع نزولهما للمعرض.
من المؤسف ونحن في دولة تدعي حماية الحرية الفكرية ودعم البحث العلمي أن تمنع إصدارات أبنائها من التدوال في وطنهم فيضطروا للجوء إلى دول مجاورة لعرض بضاعتهم للقراء. الأدهى من ذلك أنه في مقابل منع كتب ذات قيمة أدبية و فكرية و علمية عالية، فإن الرقابة تغض الطرف عن كتب فيها ما فيها من الإسفاف الأخلاقي والتطرف الديني لتباع وعلى "عينك يا تاجر"، ولم يكن معرض الكتاب الأخير إلا شاهدا على هذه الإهانة بحق الحرية الفكرية في الكويت. ولأني كغيري من المهتمين "غاسلين ايدنا" من المسؤولين في وزارة الإعلام بتطوير العمل في إدارة الرقابة وتشذيب ضوابطها التعسفية تجاه العقول الكويتية، فإني أناشد نواب الأمة لا سيما أعضاء لجنة شؤون التعليم والثقاقة والإرشاد وبالتعاون مع الجمعيات والروابط ذات الصلة للقيام بمسؤولياتهم تجاه ما تقوم به وزارة الإعلام من استهزاء بحق عقل وقلم المواطن الكويتي.
إن كان من المخجل في الذكرى الأربعين لأقدم معارض منطقة الخليج غياب كتب أمثال (فرج) و (الرشيد) و (السنعوسي) كما غابت كتب غيرهم من قبل بسبب عادة الرقابة القديمة، فإن "الفشلة" - كل الفشلة - أن يعرض كتاب .. حليمة!