في إحدى مناوباتي في أجنحة الأطفال، دخل ولد لم يبلغ الثانية من عمره وكانت الشكوى من والدته أنه كام نائما أكثر من المعتاد في ذلك اليوم وحين نهض من نومه بدت حركته مترنحة وهو ما يعرف طبيا بال ataxia. استفهمت الأم ما إن كان الطفل قد تناول أي أدوية مؤخرا فأجابتني بالنفي، ثم استدركت "لا شيء سوى أدوية الزكام" ! طلبت منها أن تريني الأدوية فأخرجت من حقيبة الطفل صندوقا حوى داخله 3 زجاجات لأدوية ما يعرف بمضاد الهيستامين (anti-histamine ) كانت الأم قد ابتاعتها من الصيدليات الخاصة لتعطي منها للطفل 3 مرات يوميا على الأقل خلال اسبوع سبق دخوله المشفى. توصلنا كفريق طبي أن الجرعات المتكررة والزائدة هي سبب أعراض الطفل وقمنا بشرح ذلك لوالدته التي تفهمت بشكل كبير انها أضرت بالطفل من حيث لا تشعر والسبب مجرد "زكام".
أمثال هذه السيدة كثير في عالمنا العربي ممن "يتسوق" بين المراكز الصحية والصيدليات بحثا عن أدوية لعلاج أمراض شائعة،أمراض عادة لا تحتاج إلى لقليل من الصبر والوقت كي تتلاشى أعراضها. هذا الأمر شائع جدا خصوصا في مجال الأطفال لا سيما في فصل الشتاء حيث تنشط كثير من الفيروسات المسببة لعدوى الجهاز التنفسي وما يصاحبها من أعراض الزكام والسعال. ولا يمكن القاء اللائمة على الأهل وحسب، فجزء كبير منه يقع على الهيئة الطبية المعالجة من أطباء وصيادلة وغيرهم في كيفية إيصال المعلومة الصحيحة المبنية على الدليل العلمي (evidence-based medicine) دون الانجراف لرغبات بعض الأهل الجامحة في الحصول على الدواء. ومما قد يزيد الأمور تعقيدا هو انتشار مثل هذه الأدوية في الصيدليات ومراكز التسوق وصرفها دون وصفة طبية، الأمر الذي تستغله شركات التصنيع الدوائي لعرض بضاعتها بطرق ابتكارية تجبر المريض على "التسوق" أحيانا حتى وان كان يعاني من مجرد زكام بسيط. من هنا يأتي الدور على الأطباء في المقام الأول بمراجعة آخر توصيات المنظمات الطبية العالمية القائمة على الدليل العلمي في علاج هذه الأمراض الشائعة وبيان ذلك بشكل سهل وميسر لذوي الطفل المريض، مع التشديد على ثني الأهل عن شراء أدوية واعطائها للطفل دون استشارة الطبيب أولا لما قد ينتج عن ذلك من أعراض جانبي قد تكون نتائجها وخيمة على الطفل كما حدث لابن تلك السيدة.
عولج الطفل ولله الحمد وخرج من المشفى بعد يومين تقريبا لكن قبل مغادرته سألت والدته عن صندوق الأدوية فقالت لي "رميته في الزبالة .. فقد تعلمت الدرس" !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق