25‏/10‏/2017

تشلسي .. و"جربتنا" الديمقراطية

في  أحد مشاهد مسرحية (حامي الديار) الشهيرة، يظهر الدكتور "صقر" وهو كاتب أكاديمي معروف بأسلوبه "الحار" يقرأ مقالا ممنوعا من النشر لرئيس التحرير الأستاذ "حامي" بعنوان (السلبيات في تجربتنا الديمقراطية). ولشدة حماسة رئيس التحرير "الجاحظي" فإن كلمة "تجربتنا" انقلبت إلى "جربتنا" (أي قربة الماء باللهجة المحلية) على مسامعه. لم يكمل الدكتور صقر مقالته ولكني طالما تساءلت، ترى ما هي السلبيات في "جربتنا" الديمقراطية التي كان سيتحدث عنها الدكتور في المسرحية قبل اكثر من ٣٠ عاما؟

الآن وبعد أن قضي الأمر، ووضعت معركة استجواب الشيخ محمد العبدالله أوزارها بانتصار كبير للجانب النيابي بإعلان أكثر من ٢٧ نائبا تأييدهم لطلب طرح الثقة به، لاحت لي بعض تلك الجوانب السلبية. فالاستجواب انتهى، والوزير "طار"،  ولكن بقي سؤال "المليون"  قائما .. "وبعدين؟"

نعم، ماذا بعد الاستجواب؟ سؤالٌ طالما طرح نفسه في سنوات العمل البرلماني خصوصا في ال ٢٠ سنة الأخيرة، وفي كل مرة تبدو أن الإجابة العامة واحدة بغض النظر عن التفاصيل .. "لا جديد"! حتى بات الناس يتململون من كثرة الاستجوابات بل ويشككون في فاعلية هذه الأداة! فإذا ما أخذنا استجواب العبدالله كمثال نجد في التفاصيل أن مصيره المحتوم هو الخروج من التشكيل الوزاري الحالي إما بالاستقالة أو بطرح الثقة في الجلسة المخصصة (وهو أمر لا يبدو واردا في عقلية الحكومة). غير أنه لا توجد أي ضمانة من عودته في أي تشكيل وزاري قادم بعد فترة استراحة قد يعطى من خلالها منصبا إداريا رفيعا لا يخضع لرقابة مجلس الأمة مباشرة كما حدث مع العديد من الوزراء قبله. وبمعنى أدق، إذا كان الوزير (أي وزير وليس خصوص العبدالله) بنظر الشعب ونوابه لا يستحق الثقة في الإدارة والإصلاح ومكافحة الفساد، فإنه "دستوريا" و "لائحيا" لا يوجد ما يمنع من عودته مستقبلا طالما أن الأمر اقتصر على الاستجواب !

من جهة أخرى، فبخروج العبدالله وتصاعد وتيرة "الاستجوابات" المعلن عنها وغير المعلن، فإن دخان كتاب عدم التعاون بين الحكومة والمجلس بدأ بالتصاعد ما يعني أحد أمرين، إما حل المجلس الذي لم يكمل عامه الأول بعد، أو تشكيل وزاري جديد مع إعادة تكليف الشيخ جابر المبارك على الأرجح. وفي كلتا الحالتين فإن وضع البلد سيظل "مكانك راوح"، فالتاريخ يحدثنا أن آلية اختيار الوزارء لا سيما في السنوات الأخيرة تعتمد بشكل أساسي على التحالفات والمصالح العائلية والقبلية والتجارية قبل مبدأ الكفاءة. وفي حالة المجلس، فالمعايير الشخصية من قبيل الواسطة والقبيلة والمذهب هي ما يتحكم بمزاج الناخب. وطالما أن النائب يلبي هذه النزعات الشخصية في نفس ناخبه، فلا نستغرب أن يتقدم نائب في المستقبل لاستجواب وزير كمحمد العبدالله ويطيح الثقة به .. فقط لأنه يشجع نادي "تشيلسي" الانجيلزي! المحصلة وفي ظل النظام القائم أنه مهما اختلفت اسماء الوزراء او النواب فالوضع سيبقى "تيتي تيتي .. متل ما رحتي جيتي"، ولا عزاء لمن يرجو إصلاحا لحال البلد.

اليوم وبعد أكثر من نصف قرن فإن الواضح أن تجربتنا الديمقراطية لم تتمكن من إصلاح حال البلد، بل لعلها "شرعنت" لبعض مواطن الفساد فيه باسم الدستور، ما يدلل على أن تجربتنا مليئة بالسلبيات، وأن الأجدر بالشعب والنخب السياسية إعادة النظر بهذه التجربة بدل صرف الجهد على الحلول الترقيعية حفاظا على مكتسباتنا الدستورية، فقد باتت "جربتنا" الديمقراطية "مقظوظة" .. و"الترقيع" لم يعد كافيا طالما أن "الشق عود".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق