"فمصر قد عرفت نظامين على مدى ثلاثين عاما: النظام الديمقراطي على نحو ما .. الذي يعرقل المشروعات النافعة ويبطئ تنفيذها .. ثم النظام المبني على الحكم المطلق بإرادة فرد .. من مزاياه التنفيذ السريع لما يراه من مشروعات نافعة، ومن عيوبه القرارات المتعجلة" هذا مقطع مقتبس بتصرف عن كتاب (عودة الوعي) للكاتب المصري الكبير الراحل توفيق الحكيم، تذكرته وأنا أستمع لكلمة النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر صباح الأحمد على هامش ملتقى الكويت للاستثمار الذي أقيم مؤخرا، حيث أبدى الوزير - في المقطع المتداول بالانجليزية - إعجابه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (في إشارة إلى رؤيته الاستثمارية للمملكة)، مؤكدا على وجود اختلاف في آلية انجاز المشاريع بين البلدين الشقيقين حيث أن العمل من خلال مؤسسات دستورية وبرلمان ليس بسهولة العمل الفردي كما يرى.
هذه الكلمة تستحق الوقوف عندها مليا، وما قاله الشيخ ناصر صباح يعكس السؤال الذي بات يدور في نفوس الكثيرين منا لفترة وهو "هل أصبح مجلس الأمة عائقا أمام إنجاز المشاريع ونهضة البلد؟"
سؤال مستحق يدور في خلد الشعب، خصوصا ونحن نرى ما تقوم به دول مجاورة من إنجازات ومشاريع غير مسبوقة ليس على مستوى المنطقة، بل العالم بأسره. وما يثير شجون الكويتي أكثر، أن تلك الدول التي لا تعمل وفق مؤسسات دستورية ديمقراطية منتخبة كانت في يوم من الأيام تنظر للكويت على أنها "درة" المنطقة تتسابق الأنظمة والحكومات لمحاكاة نهضتها السياسية والاقتصادية والصحية والعلمية والعمرانية. بل حتى محليا، فجودة المشاريع التي يقوم بها الديوان الأميري مثلا وسرعة إنجازها جعلت المواطن يفقد الثقة بالحكومة والمجلس معا في تحقيق طموحاته، ويصبح لسان حالنا "شنو استفدنا من المجلس؟"
لا شك أن وجود برلمان منتخب من الشعب هو أمر في غاية الأهمية، لكن الخلل الواضح هو في آلية تشكيل وعمل هذا المجلس بشقيه النيابي والحكومي، وهو الأمر الذي يستدعي الجلوس بشكل جدي لبحث سبل حله ولست بصدد عرض ذلك الآن. تصريح الشيخ ناصر صباح الأحمد الأخير وعلى الرغم مما يحمله من نبرة "عدم رضا" على دور المؤسسات الدستورية في عرقلة المشاريع الاستثمارية الكبرى، إلا أنه يحمل احتراما لقرارات هذه المؤسسات وإيمانا بأهمية وجودها في صناعة نهضة الأمة. فالشيخ الذي دخل الحكومة مؤخرا للمرة الأولى وتولى فيها أرفع منصب بعد منصب الرئيس، يرى فيه الكثيرون أنه رجل الحكومة القوي القادم وأن مسألة توليه رئاسة الوزراء ليست إلا مسألة وقت. فما طرحه من رؤية لمستقبل اقتصادي للكويت مشفوعا بالمشاريع الثقافية الكبيرة التي أشرف عليها إبان وزارته لشؤون الديوان الأميري، مضافا إلى ذلك تأكيده على احترام الكويت لعلاقاتها مع كل جيرانها، كل ذلك ينبئ بأن الرجل سيكون ذو شأن كبير في مستقبل الحياة السياسية الكويتية، لا سيما وأنه يلقى قبولا على المستوى المحلي سواء من قبل الأسرة الحاكمة بشكل عام أو حتى مع بقية أطراف المجتمع حسب الظاهر. ولذا فإن الأمل معقود على الشيخ ناصر في تغيير منهجية الأداء الحكومي والتي كانت السبب الرئيسي في ما وصل به الحال من ركود على مسيرة التنمية، على أمل أن يكون هذا التطور المرجو مقدمة لإصلاح سياسي شامل في هيكلية إدارة الدولة بما يضمن مزيدا من الحريات لأبناء الوطن وتوسعة المشاركة الشعبية فيها.
عودة إلى توفيق الحكيم في كتابه (شجرة الحكم) "على أن نقدي للنظام النيابي لا يعني أني أطالب بإلغائه، فزوال هذا النظام يفضي إلى مشكلات لا حل لها، والانتخاب - على عيوبه - هو الوسيلة التي لا بد منها ما دام الناس هم أصحاب الرأي في تنصيب حكامهم" .. وكفى ذلك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق