برزت على الساحة آنذاك حركة مقاطعة تبنتها أطراف المعارضة تحت مسمى (قاطع). كان الهدف المعلن من تلك الحركة هو إسقاط مجلس الأمة "شعبيا" لما اعتبرته (انقلابا على الدستور) و (ترسيخا للحكم الفردي) وغيرها من الشعارات التي ظهرت آنذاك.
غير أن السلطة لم تعر لكل تلك الأصوات بالا، بل مضت نحو إنجاح العملية الانتخابية بدءا من مجلس ديسمبر ٢٠١٢ بنسبة مشاركة قاربت ال ٤٠%، وصولا إلى ثني شرائح كبيرة من المقاطعين عن موقفهم المناوئ لانتخابات مجلس "بوصوت" بعد إبطال مجلس ٢٠١٢ الثاني وتحصين مرسوم الصوت الواحد دستوريا في يونيو ٢٠١٣، انتهاءا باستمالة الغالبية العظمى من المعارضين للصوت الواحد للمشاركة في انتخابات ٢٠١٦ الأخيرة، حتى أنه لم يبق من المقاطعين إلا النزر اليسير، مكرسة بذلك الواقع السياسي الذي جاءت به بمرسوم ضرورة دستوري.
مختصر ما سبق هو أن "المقاطعة" وخلال السنوات الثمان الماضية .. فشلت. فشلت في إسقاط مجلس الأمة فعليا وشعبيا، وفشلت في ثني السلطة عن موقفها من الصوت الواحد، بل حتى أنها فشلت في إقناع المقاطعين أنفسهم - إلا القلة القليلة منهم - بالثبات على مبدأ المقاطعة.
لكن على الرغم من الفشل الذي طال المقاطعة، إلا أن دعوات أصحابها ما زالت تلق نوعا من الرواج، وإن كانت دعوات خجولة. بالإمكان أن نقول بأن المقاطعين لانتخابات ٢٠٢٠ المقبلة على قسمين: الأول هم أولئك الذين يرون أن أسباب المقاطعة ما زالت قائمة منذ ٢٠١٢، فهم يرفضون المشاركة في انتخابات جاءت بها السلطة على حساب إرادة الشعب، لا سيما وأن السلطة - كما يرون - قادرة على تكرار هذا السيناريو متى ما شاءت. أما القسم الثاني فدافعهم الأساسي هو اليأس من جدوى وجود المجلس الذي تحول بنظرهم إلى "أداة" للسلطة، وأنه مهما تغير شكل النظام الانتخابي، ومهما تواجد نوابٌ وطنيون مخلصون، فوجودهم في مجلس تسيطر عليه الحكومة لن يقدم ولن يؤخر. العامل المشترك بين المقاطعين "المبدأيين" و "اليائسين" هو اعتقادهم بأن مشاركتهم في الانتخابات تضفي "الشرعية" على ما تقوم به السلطة. فكل أشكال الفساد التي ترعاها السلطة - كما يرون - تتم بمباركة "شرعية شعبية". وإن كانت المقاطعة قد فشلت في كبح فساد السلطة، فالمشاركة - كما يرون هم دائما - قد ساهمت في تكريس هذا الفساد.
من هنا نتساءل: ماذا بعد، وإلى متى المقاطعة؟ وكيف سينجح المقاطعون في تقويم مسار السلطة؟ فالمُشارك في الانتخابات - وهنا نتحدث حصرا عن ذوي الوعي - يهدف لإيصال نائب "وطني شريف".فبرأيهم أن صوتا واحدا بين خمسين خيرٌ من لا شيء، وعشرة أصوات خيرٌ من صوت واحد وهكذا، عاملين بمبدأ (ما لا يُدرك كُله لا يترك جُله). فالواقع يقول بأن السلطة ماضية في نهجها، والمقاطعة التي كانت في أوج قوتها قبل ٧ أو ٨ أعوام عجزت عن الوقوف أمام السلطة، فكيف بها اليوم وهي أضعف بمراحل؟ بل إن المقاطعة الشعبية العارمة في أواخر الثمانينيات لم تثني السلطة عن استمرار نهجها وتعليقها للدستور ثم الاتيان بالمجلس الوطني عام ١٩٩٠ الذي وصلت نسبة المشاركة فيه إلى أكثر من ٦٠%، ولولا الغزو الغاشم الذي جاء بعد حوالي شهر واحد من تشكيل ذلك المجلس غير الدستوري لاستمر المجلس الوطني لعله إلى ما شاء الله.
خلاصة الأمر أن السلطة ماضية في طريقها، شاء من شاء وأبى من أبى. فالسلطة التي انقلبت على الدستور مرتين في السابق كانت تجد من يدعمها في كل مرة، فكيف بها وهي تعمل وفق الدستور؟ ومع استمرار غياب مشروع إصلاحي واقعي - وهنا نضع عشر خطوط حمر تحت كلمة "واقعي" - يطرحه المقاطعون ويعملون لأجله وبالتنسيق مع كافة أطياف المجتمع بمن فيهم المشاركين لتغيير الواقع السياسي - الذي هو بحاجة ماسة للتغيير دون شك - يبقى السؤال المستحق: "لماذا أقاطع؟"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق