أن يفخر بلدٌ بشهدائه فليس بالأمر المستغرب، بل لا يقتصر الأمر على بلاد الإسلام، فكلل الملل تفخر بمن ضحى لأجلها، فتخلد ذكراهم بإقامة الأنصاب وما شابه ذلك. لكن أن تجد بلدا يفخر بشهداء غيره فيقدمهم في الذكرى حتى على شهدائه، فهذا لا تجده لعله إلا في العراق.
من يزور كربلاء قادما من النجف، ماشيا كان أم راكبا، تتجلى له صور لرجال اشتعل رأسهم شيبا، وآخرون بالكاد بلغوا الحُلُم، ومنهم بين هذا وذاك، قد ملأت صورهم معظم الأعمدة ال١٤٥٢ على امتداد ما يقارب ال ٨٠ كيلومتر بين النجف وكربلاء. صحيح أن أغلب هؤلاء هم من شهداء العراق، وتحديدا شهداء ما يعرف بالدفاع المقدس الذي انطلق بفتوى الجهاد لسماحة آية الله العظمى السيد السيستاني ضد أذناب الولايات المتحدة (داعش). لكن هذا العام وبالتزامن مع الزيارة الأربعينية، وفي ظل أجواء طوفان الأقصى و الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على غزة، كان لافتا أمران:
الأول:
هو التصميم الذي حمل بداخله صور الشهداء، حيث اعتمد على طراز الكوفية الفلسطينية، ومثلث الرماية الشهير (الأحمر المقلوب🔻) وعبارة (كربلاء طريق الأقصى)، والتي تكررت في صور ورموز أخر على طول طريق (المشاية). هذا الأمر يأتي تأكيدا على روح الثورة الحسينية وما تمثله كذلك شعيرة المشي في الأربعين، من الثبات على النهج الثوري الحسيني التي استمرت به السيدة زينب سلام الله عليها. وأن طريق الأقصى وتحريره لا يكون إلا بدماء زاكية، وأنه لا سبيل لاسترداد الحق الفلسطيني إلا بالجهاد، لا بالاتفاقيات والدبلوماسية والتطبيع.
الثاني:
كان هناك نمط واضح في توزيع صور الشهداء على طول طريق المشاية - إلا ما ندر جدا - وهو رفع صور أبرز قادة (محور المقاومة) بالترتيب التالي بدءا من عمود رقم ١ الذي خصص للشهيد العراقي (أبو مهدي المهندس)، عمود رقم ٢ للشهيد الإيراني (الحاج قاسم سليماني)، عمود رقم ٣ للشهيد اللبناني (عماد مغنية)، وعمود رقم ٤ للشهيد الفلسطيني (اسماعيل هنية). وهذا النمط يتكرر مع كل ١٠٠ عامود، أي أن الأعمدة من ١٠١ إلى ١٠٤ ، من ٢٠١ إلى ٢٠٤ وهكذا ، تحمل ذات الصور بذات الترتيب. وفي ذلك برأيي رسائل مهمة، لعل أهمها رسالتان: الأولى: أن العامل المشترك بين هؤلاء القادة الأربعة لمحور المقاومة هو القاتل، وهي أمريكا بلاشك، سواء بشكل مباشر كما حدث مع الأوليين، أو بمباركتها ودعمها عبر طفلها المدلل وربيبتها الخرقاء (إسرائيل) كما مع مغنية وهنية. وما تكرار صور القادة بشكل نمطي وعند بداية كل ١٠٠ عمود، إلا لغرس الوعي في ذهن الزوار بأن المعركة الأصلية في المنطقة إنما هي مع آلة الحرب الأمريكية، والقرار السياسي المهيمن الصادر من البيت الأبيض. أما الرسالة الثانية فهي التأكيد على محورية قضية فلسطين بالنسبة للجهاد العراقي. لقد بذل العراق من دماء أبنائه مئات الآلاف في معاركه ضد الهيمنة الأمريكية، بدءا من ضحايا النظام البعثي المدعوم أمريكيا في زمن الطاغية، وصولا إلى احتلال العراق بعد السقوط وما خلفه من فتنة طائفية كانت أمريكا هي وقودها، انتهاء بداعش، وما أدراك ما صنعته داعش التي خلقتها المخابرات الأمريكية باعتراف مسؤوليها. وبرغم كل تلك التضحيات، بقيت محورية فلسطين مغروسة في الوعي العراقي، فصور الشهداء على طريق القدس لم تكن تملأ تلك الأعمدة وحسب، بل العديد من المواكب، أبرزها لقادة فلسطينيين أمثال صالح العاروري وزكريا أبومعمر ومروان عيسى، فضلا عن الشهيد هنية، والذين ارتقوا جميعا في معركة طوفان الأقصى.
فصول ومشاهد المسرح الأربعيني كثيرة، تتجلى من خلالها قيم إنسانية راقية، من البذل والكرم والولاء والفداء والتضحية وغيرها، غير أني لا أبالغ إن قلت أن نجم هذه الفصول في أربعينية الحسين عيه السلام لهذا العام كان فصل (المقاومة)، وهي القيمة التي كانت مشاهدها حاضرة على طول مسير الأربعين. فالسلام على شهداء الأمة، والسلام على شهداء العراق، والسلام على شهداء طريق القدس الذي يمر حتما بكربلاء. وإنه حقا لجهاد، نصر أو استشهاد.
قطرة:
بعيدا عن كونها شعيرة وطقس ديني، فزيارة الأربعين - المشاية تحديدا - من أروع صور التجمعات الإنسانية، ومن لا يسعى لأن يعيش هذه الأجواء من أي مذهب أو دين أو ملة، فقد فاته من إنسانيته كثيرا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق