16‏/10‏/2019

لا جديد ولا قديم

ما إن قرأت البيان الصادر في ١٥ اكتوبر ٢٠١٩ عن ٢٩ شخصية سياسية وأكاديمية وصحفية وغيرهم، حتى تذكرت فورا "لزمة" المعلق الرياضي التونسي في قنوات (بي إن) رؤوف خليف "لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد" تحديدا عندما يقوم بالتعليق على أحداث "مُملة" من مباريات كرة القدم.

البيان في روحه "جيد" من حيث تجديد مطالبته بالدعوة إلى حوار وطني يجمع كافة الأطراف، كما أني أضم صوتي إلى صوت الموقعين على البيان في تنمياتهم بإسناد رئاسة الوزراء إلى من هو أكثر مسؤولية وكفاءة من سمو الرئيس الحالي (وإن لم يقرها الموقعون صراحة). ففي عهد سمو الشيخ جابر المبارك وحكوماته "السبع" ارتفعت مؤشرات الفساد إلى حدود غير مسبوقة حسب تقارير المنظمات المعنية. كما عصفت بالكويت سلسلة من "الفضائح" كفضيحة "ضيافة الداخلية" و"الشهادات المزورة" و"الحيازات الزراعية" و"الحصى المتطاير" وكارثة السيول. وفي عهد سموه، وصل سعر النفط إلى أدنى مستوياته، وبقيت حكوماته عاجزة عن حل مشاكل الحقول المشتركة، ناهيك عن بلوغ الغلاء المعيشي معدلات غير مسبوقة. حتى على المستوى الأمني، ارتكبت أبشع جريمة طائفية في تاريخ الكويت، وتورط المئات من الكويتيين في دعم وتمويل الإرهاب وفق تقارير أممية متعددة، وكل ما قامت به حكومته هو "مناصحة" عدد من هؤلاء. كما أني أظن خيرا بالموقعين على البيان بمطالبتهم بتغيير الرئيس الحالي (وإن لم يقولوها صراحة من جديد) لا سيما وأنه على المستوى الإنساني نجد انتهاكا صارخا لحقوق فئة البدون حتى وصل الحال ببعضهم لأن يحرق نفسه ويقدم على الانتحار. هذا عدا عن جرائم العنصرية التي ترتكب دون أن تحرك الحكومة ساكنا تجاهها. أما على مستوى الحريات والقبضة "البوليسية" فحدث ولا حرج، وقد نحتاج إلى مقالات لنسرد الحالة البائسة التي وصلت إليها كلمة "حرية" في الكويت. ولا يفوتنا إيقاف المشاركات الرياضية وحرمان أبناء الكويت من تمثيل بلدهم في المحافل الدولية في عهد سمو الرئيس. ولكي تؤكد حكومات سموه المتعاقبة للشعب الكويتي "خيبة أملهم" بها، فقد رفعت يدها عن إدارة وتنفيذ العديد من مشاريع الدولة وأسلمتها للديوان الأميري.

لكن المشكلة ليست مجرد مجلس الوزراء، لا رئيسه ولا وزراءه، المشكلة الحقيقية تكمن في النظام البرلماني القائم، وهنا نقطة الاختلاف التي أتقاطع بها مع أصحاب البيان "العتيج اليديد". فالموقعون - بعضهم أو كلهم -  أفصحوا بين سطور البيان عن مشكلتهم "الشخصية" مع نظام الصوت الواحد، وكأن الكويت كانت تعيش حالة الازدهار والنمو والرخاء في نظام الأصوات الأربعة. المؤسف أننا نجد برلمانيين سابقين وقعوا وبسذاجة على هذا البيان، وكأنهم تناسوا ما كرسه نظام ال٤ أصوات من فئوية وقبلية وطائفية أيضا، وكأنهم تناسوا أيضا أن شبهات التلوث بالمال السياسي كانت ومازالت باقية ولا دخل "لصوت" أو "إثنين" أو "اربع" بها، مؤكدين فشلهم ضمنيا في إقرار قوانين مكافحة الفساد عندما كانو نوابا للأمة. الغريب في الأمر أيضا أن من بين الموقعين من شارك في نظام الصوت الواحد الذي جعلوا منه "شماعة" مشاكل الكويت كلها ويطالبون اليوم "باستبداله" بنظام "قوي". بل المضحك أيضا أن من بين الموقعين من عُرف بطائفيته المقيتة ولم يخفها في ممارساته وتغريداته، ويأتي اليوم ليُحمِّل الصوت الواحد مسؤولية الطائفية ويدعو لحوار "وطني". مع ذلك كله أود التأكيد أن هذا النظام - أي الصوت الواحد - لم يكن خيرا مما سبقه من الأنظمة، ولكنه ليس قطعا بأسوأ منها،  فالعلة ليست بعدد الدوائر والأصوات وحسب، بل بأركان الممارسة البرلمانية ككل.

السيدات والسادة الموقعون على البيان، شكر الله سعيكم وأثابكم، لكن بيانكم لم يحمل جديدا يذكر أو قديما نستفيد من إعادته، وطالما أنكم لم تعطوا أي إشارة باقتران بيانكم بخطوات عملية جادة نحو الحوار الذي تنشدونه ورؤية واضحة لماهية النظام السياسي البرلماني الذي تصبون إليه، فاسمحولي بالقول أن بيانكم سيبقى "زي قلته".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق