22‏/3‏/2021

الشيعة ‏والموقف ‏من ‏الداهوم

منذ صدور حكم المحكمة الدستورية بإبطال عضوية النائب بدر الداهوم، ارتفعت في الساحة الشيعية أصوات قديمة-جديدة أعادت إلى الأذهان أجواء الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد في الفترة بين ٢٠١١ - ٢٠١٣. من تلك الأصوات - وكل حسب وجهة نظره - من استحسن هذا الحكم بل بالغ باستحسانه لحد "الشماتة" ، ومنهم من دعا إلى عدم تكرار خطأ الاصطفاف مع الحكومة باعتبارها "أُسّ البلا" وأن المهم مواجهة الفساد الحكومي ما يحتم ضرورة الدفاع عن الداهوم. ومنهم من يلتزم الصمت، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. في السطور القادمة أحاول تحليل جزء من الرأي العام الشيعي في هذه القضية والهدف هو الإجابة على هذا السؤال: هل توجد إشكالية سياسية في اتخاذ موقف من شأنه رفع الرصيد السياسي والشعبي لشخصية كبدرالداهوم؟

قبل الإجابة على السؤال المحوري لا بد من بعض المقدمات.

المقدمة الأولى: شخصية الدكتور بدر الداهوم
خاض الداهوم الانتخابات الأخيرة بصفته رئيسا للمكتب السياسي لتجمع ثوابت الأمة. ولذلك فالحديث عنه في هذا المقال لا يخص شخصه بقدر التيار الذي يمثله. هذا التيار الذي كثيرا ما ارتبط اسمه بمواقف كان من شأنها استفزاز مشاعر المواطن الشيعي تحديدا، لعل أشهرها تهديد أمينه العام النائب محمد هايف للحسينيات الكويتية "بالمراقبة" في بدايات الألفية الجديدة، وغيرها كثير. ولا بأس هنا بالتذكير بآراء شخصيات معتدلة كالدكتور فهد راشد المطيري الذي وصف التجمع بكونه (لا دستوري)، والنائب الفاضل الدكتور حسن جوهر الذي طالب التجمع في وقت من الأوقات "بالكف عن الدأب على إثارة الطائفية".
بعد هذه المقدمة لا بد من التشديد على نقطة مهمة، وهي أن الانتخابات الأخيرة والتي فاز فيها الداهوم بأكثر  من ٨٣٠٠ صوت، لم تشهد حالة من الاحتقان الطائفي. بمعنى أن الفرز الطائفي لم يكن لاعبا أساسيا في نتائج الانتخابات بقدر ما كان السخط الجماهيري على أداء مجلس ٢٠١٦ والحكومة. لكن هذا لا يعني أبدا بأن التجمع المعروف بتشدده قد أعطى أي انطباع عن سلوك وخطاب "وطني" جديد أو تراجع عن مواقف "مثيرة" سابقة. كل ما في الأمر هو أن هذه الورقة لم تكن مطروحة إبان الانتخابات، وإني لا أستبعد أن يعود التجمع إلى قلب أي فتنة طائفية كما عودنا سابقا.
 
المقدمة الثانية: هل يمثل الداهوم المعارضة الكويتية بأسرها؟
الجواب البسيط هو (بالطبع لا). فلا توجد أي معارضة في العالم بأسره تمثل طيفا واحدا، فكيف بالكويت التي تعيش حالة من الفوضى السياسية في ظل غياب العمل المنظم والأحزاب، فالمعارضة فيه أبعد من أن تكون متناسقة فضلا عن كونها من طيف واحد. وعليه فإن ما يجمعها بالأساس هو الخصومة مع الطرف المقابل أو أجندات خاصة أكثر من وجود برنامج عمل مشترك عام لمصلحة البلد. في مثل هذه الحالة نجد أن أصحاب الصوت العالي والشخصيات التي تستند على دعامة فئوية من قبيل الطائفة والقبيلة هم الأقرب لتصدر المعارضة وقيادتها. وقد تجلى ذلك بوضوح في مخرجات مجلس ٢٠١٢ (المبطل الأول) الذي شهد ذروة قوة المعارضة، وخسارة شخصيات وطنية معارضة لتلك الانتخابات كالمرحوم مشاري العصيمي والنائب السابق صالح الملا. هو ذات المجلس الذي أقر قانون إعدام المسيء للذات الإلهية كأحد "إنجازاته في محاربة الفساد"، المجلس الذي شهد المشادة الكلامية الشهيرة بين النائب السابق خالد الطاحوس والرئيس الرمز أحمد السعدون بقول الأول له "تكلم بأدب، مثل ما حطيناك رئيس نقدر نشيلك!". هذه كلها شواهد على نوعية من تصدر المشهد المعارض آنذاك، وشخصيا لا أجد اختلافا كبيرا أو جوهريا في السلوك العام للمعارضة بين ٢٠١٢ و٢٠٢٠، على الأقل في الوقت الحالي. فالتخوين المبطن لمنتسبي المعارضة وإرغامهم على "الباركود"، ولغة التحدي والإقصاء لكل من لم يقف في صف أجندتهم في انتخابات الرئاسة كانت مجرد بوادر لسيناريو مكرر عشناه في ٢٠١٢.
صحيح أن الداهوم وتياره لا يمثلون كل المعارضة، وبالتأكيد فإن كثير من المحسوبين على المعارضة أيضا لا يتفقون مع ما يتبناه هذا التيار "الإقصائي" ويتجاهر به من سلوك "استفزازي" كثيرا من الأحيان، ولكن لأن الغاية هي (محاربة الفساد)، فهذا قد يبرر وسيلة التعاون مع أي شخصية تخدم هذه الغاية بغض النظر عن منطلقاتها السياسية والفكرية، حتى وإن أدى ذلك لتصدرهم أو قيادتهم للشارع. ومن باب تقريب هذه الفكرة أكثر، تخيل لو أن غالبية الجمهور الشيعي هم من يقف موقف المعارضة اليوم، لكن بدل أن نشاهد شخصية وطنية مثل الدكتور عبدالمحسن جمال تتصدر المشهد وتقوده، يخرج لنا شخص مثل ياسر الحبيب أو ممن يتبنى أفكاره ليكون في واجهة التصدي للفساد الحكومي !! ترى كيف سيكون المشهد حينها؟ وما هو الموقف الواجب اتخاذه من الشيعة المعتدلين الوطنيين من سماحهم لمثل من يحمل هذه الأفكار أن يكونوا في صدارة المشهد؟!


بعد هاتين المقدمتين، قد يسأل سائل: بفرض وجود شخصيات - والحديث هنا عام - طائفية/إقصائية/تكفيرية في أي حراك، هل هذا مبرر كاف للسكوت عن الفساد الحكومي؟ أليست الحكومة اليوم هي من تمتلك كل خيوط اللعبة؟ وأنها المسؤول الأول والأخير عن الوضع المزري الذي تعيشه البلاد على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي والتعليمي والصحي و و و ؟ أليس حري بنا جميعا الوقوف في خندق واحد لكف يد الحكومة عن استخدام ورقة الإعدامات السياسية بحق كل من يقف في وجهها؟ الجواب هنا ليس بسيطا بكل تأكيد وإن حاول البعض أن يصوره كذلك "برومانسية وطنية". كما أنه يجب التفريق بين تأييد المتطرف لأي حراك، وبين قيادته له. نعم، لا يوجد أي مبرر عقلي وشرعي وأخلاقي يسمح بالسكوت عن أي فاسد كائنا من كان، بل الواجب متى ما ثبت الفساد على شخص أن يتم فضحه ومعاقبته، وإلا كان الساكت شريكا في الفساد. ولا أريد الدخول في حديث فلسفي حول الفساد الفكري هنا ومقارنة خطورته بالفساد المالي والسياسي، لكن حوادث التاريخ علمتنا بأنه ليس كل حقٍ يرادُ به حقاّ. فكلمة (لا حكم إلا لله) و الاستحكام لكتابه عز وجل، إنما هي شعارات أريد بها باطلا في مقابل حق ظاهر جلي كما أخبرنا التاريخ، فما بالنا إذا نستيسر الاندفاع نحو كلمة (محاربة الفساد) والاصطفاف مع من يرفع الدستور على الأسنّة دفاعا عنه كما يُدّعى، دون التبصر والنظر في هوية من يرفع تلك الشعارات؟ إن اندفاع المخلصين واتباعهم للحمقى أو استسهالم ترك دفة القيادة لهم من شأنه إعطاء الفرصة تلو الأخرى لأي سلطة حاكمة لتنفيذ أجنداتها. ما أود قوله هنا باختصار بأن المعارضة سلكت قبل ١٠ سنوات مسلك (إن لم تكن معنا فأنت ضدنا)، وللأسف فإن هذا السلوك لم يتغير كثيرا وها هي تكرر ذات الأخطاء اليوم، ما يدفع بالكثيرين من التوجس من ركوب موجتهم.

"طيّب، هل هذا التوجس من الجمهور الشيعي تجاه الداهوم وتياره مبرر؟ هل يظن الشيعة فعلا بأن هذا الخط الفكري المخيف بالنسبة إليهم قادر على استلام مفاصل الدولة وتنفيذ سياسته الإقصائية؟"

هنا أبدأ الجواب بالشق الأخير من السؤال بالقول بأن الأحداث التي مرت بها البلاد على مدى ٣٠ أو ٤٠ سنة أظهرت بأنه لا حاجة لهذا التيار لاستلام أي مفصل في الدولة لكي يؤثر في صناعة القرار، لما يمتلكه من حاضنة شعبية لا بأس بها. وكنا نجد أنه في كل مرة تقوم الدولة بالرضوخ لأصوات وأدوات هؤلاء مع الأسف. وكما أشرت سابقا، فالتجمع الذي ينتسب إليه الدكتور بدر غالبا ما كان نجم شباك تلك الأحداث، من التحريض على إبعاد علماء دين أو خطباء شيعة، إلى تقديم استجواب لرئيس الحكومة بسبب أمر مماثل، وصولا إلى التحريض على سحب جنسية نائب كويتي - أبا عن جد - على خلفية قضية التأبين، إلى آخره من الممارسات التي كان أخطرها لعله إقرار قانون إعدام المسيء. وإذا أتينا على الوضع الإقليمي، فرموز التجمع هلّلوا وكبّروا لإعدام شخصيات معارضة في دول مجاورة، وناصروا ودعموا بالمال والعتاد حركات "جهادية" إرهابية، بل منهم من كان محاميا لخلية إرهابية تورطت بالتخريب والقتل في الكويت. أكثر من ذلك، فأحد رموز التجمع نفسه اعترف في لقاء تلفزيوني بأن تنظيم (داعش) لا يمثل خطر حقيقي، لتأتي فاجعة تفجير مسجد الإمام الصادق التي تبنتها داعش كرد صريح على هذه الادعاء. وإن قال البعض بأن حدة الخطاب الطائفي قد خبت اليوم عما كانت عليه قبل سنوات، إلا أن ذلك ليس ضمانا كافيا - من وجهة نظر كثير من الشيعة - لعدم التوجس ممن تورط بهذه الخطابات وما نجم عنها من فتن، وعليه فإن الخوف من عودتهم لتصدر المشهد السياسي يبدو أمرا مبررا عقليا.

وإذا أتفقنا مع من يقول من الشيعة بجدية الخوف من سلوك بعض رموز المعارضة، أليس الأولى أن يكون الخوف من الجهاز الحكومي الذي يوفر الغطاء لأصحاب الخطاب الطائفي؟ أليس الدفع باتجاه تشكيل حكومة قوية هو الضمانة لوحدة المجتمع؟ نعم، كلنا يطمح لحكومة قوية تقف على مسافة واحدة من مختلف أطياف المجتمع، وصحيح أن الحكومة هي أساس الفتنة غالبا، إما برعايتها أحيانا أو بالسكوت عنها أحيانا أخر، وصحيح أن الشيعة لم يجنوا من وقوفهم مع الحكومات ودعمها في مقابل المعارضة إلا الخيبات، لكن هل قدمت المعارضة أي بوادر بأنها ستكون "أحن" على الشيعة من "مرت أبوهم" الحكومة؟ أليست هذه المعارضة هي من تريد تفصيل قوانين على مزاجها كمقترحها لقانون العفو الشامل؟ أليست هي ذاتها المعارضة التي لم تستطع أن  تفرض شخصية وطنية شيعية لمنصب نائب الرئيس؟ هل مدت المعارضة يدها وأصغت بأذن واعية وقلب مفتوح لمخاوف جمهور الشيعة؟ لماذا يُطالب الشيعة بموقف واضح محدد من الفاسدين الحكوميين، في حين لا تلقى دعوتهم لرموز المعارضة باتخاذ موقف مشابه من رموز الفتنة أي صدى؟ بل نرى رموز الفتنة قادة في المعارضة يتلقون كل الدعم من شخصيات وطنية عريقة!! ما هي الضمانات التي قدمتها أو بإمكان المعارضة أن تقدمها للشيعة لحمايتهم من تطرف وإقصاء بعض رموزها لهم؟

لعل كثير من هذه الأسئلة بات مكررا ومللنا طرحه لعشر سنوات أو أكثر، وقد ينم ذلك عن خلل لدى الجمهور الشيعي في التعاطي مع الأحداث، لكنه ينم أيضا عن خلل أكبر لدى الطرف المقابل - صاحب الأغلبية - الذي فشل وبشكل ذريع باستقطاب الأقلية إلى جانبه.

لذا وبعد هذا السرد الطويل، فإن دعوات الوقوف إلى جانب الدكتور بدر الداهوم وما يمثله من تيار ودعمه سياسيا وجماهيريا لا يخلو من إشكالية سياسية، بل قد تكون أخلاقية أيضا. نعم شخصيا أجد أن إبطال عضويته بالاستناد على قانون (حرمان المسيء) أمر يحتاج لوقفة جادة لتعديل أو إلغاء القانون، لكني لا أخفي أمنياتي بابتعاده عن المشهد السياسي وعدم عودته إليه مجددا إلا إذا كان ذلك مصحوبا بتوبة سياسية تصالحية مع شركائه في الوطن. وحتى ذلك الحين، وانجلاء الغبرة عن الصراع بين الحكومة والمعارضة، فيبدو أن النأي بالنفس عن الصراع بين الطرفين والوقوف على التل ما يزال الخيار الأسلم، والأولى هو العمل على حراك وطني حقيقي جامع، لا مجرد شعارات فارغة باسم الوطنية ومحاربة الفساد. 

عبدالله تقي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق