لماذا كتلة ال "٦" ؟
تتميز هذه الكتلة بعدة أمور، فهي من جهة تعتبر كتلة "شابة" معدل أعمار أعضائها يبلغ حوالي ٤٥ سنة. وصحيح أن تجربة الشباب كانت مخيبة للآمال بشكل كبير في المجلس الماضي، إلا أن انضواءهم - وهم الأغرار برلمانيا - تحت جناح "شيخهم" المخضرم الدكتور حسن جوهر، يعطي انطباع كبير بأنهم ليسوا من النوع "الغوغائي" المندفع، وأنهم دخلوا المجلس برؤية واضحة بعكس من سبقهم من أصحاب "الشو". بل إن وجود الدكتور حسن جوهر نفسه في الكتلة هو ما يعطيها ثقلها، وهذا واضح جلي لكل متابع للشأن المحلي. الميزة الأخرى - ولعلها الأهم - أن بناء الكتلة لم يكن على أساس فئوي، وهو الأمر الذي بات وجوده مُلحّا في الساحة المحلية، أمر افتقدناه منذ أيام التكتل الشعبي "الأصلي" - طيب الذكر - وإن كان من الباكر جدا أن يقارن هذا التكتل الغض بذاك. لذلك فكثيرون يرون في هذا التكتل نواة "لخط ثالث"، خط بين الموالاة التامة للحكومة والسمع والطاعة لها، وبين المعارضة المطلقة الإقصائية التي لا تكف عن التأزيم. وليس المقصود بالخط الثالث هو الموقف الوسطي بين الحكومة والمعارضة بشكلها الحالي الذي استمر لأكثر من ١٠ سنوات وحسب، بل المقصود هو نهج جديد في قيادة الشارع السياسي، مبني على الدفاع عن القضايا الشعبية بعيدا عن نهج "الفزعة".
هل الكتلة فعلا "خط ثالث"؟
من الصعب تكوين فكرة واضحة عن التكتل في هذا الوقت، فالمجلس الحالي ما يزال في أشهره الأولى، تخللها تعليق لجلساته واستقالة حكومة. غير أن ما رأيناه من الكتلة في الأشهر القليلة الماضية لم يكن مشجعا بالقدر المنتظر منه. فمنذ جلسة انتخاب الرئيس وخضوع أعضاء الكتلة "للباركود"، ثم فشلهم في استمالة الغالبية العظمى من "المعارضة" لتمكين الدكتور حسن جوهر من منصب نائب الرئيس، وصولا لتغيير الموقف من حضور جلسة القسم الأخيرة قبل يومين من انعقادها، كلها مؤشرات على أن الكتلة لم تستطع الخروج عن عباءة الضغط الشعبي و"الفزعة" والمعارضة التي تزعمها مؤخرا نواب مثل بدر الداهوم ومحمد المطير. البعض برر قصة الباركود السخيفة بأن الحكومة التي تلجأ لطرق ملتوية لا بد من مواجهتها بطرق ملتوية أيضا حتى وإن كانت مخالفة للدستور. أما موضوع نائب الرئيس، فقد شهدنا كيف تم تصوير الموضوع بأن السبب - إن صح - هم نواب شيعة لم يصوتوا للدكتور حسن، والحكومة التي صوتت ل"خرّيج فرعيات"، متغافلين عن الدور "المخزي" للأغلبية المعارضة. وأما في خصوص جلسة القسم الأخيرة، فالواضح أن التكتل لم يستطع الصمود أمام الضغط الشعبي المناهض لإسقاط عضوية الداهوم. فالكتلة أعلنت بأن لرئيس الحكومة مهلة حتى جلسة القسم، بل كانت تتبنى تمكين الحكومة من القسم كي تواجهها بالأدوات الدستورية في حال أخلت باتفاقها في ذات الجلسة، لنتفاجئ بإعلان الكتلة مقاطعة الجلسة وعدم تمكينها من القسم، ثم إعلان تقديم استجواب لرئيس الحكومة قبل الجلسة بيوم. صحيح أن الكتلة في بيان مقاطعتها واستجوابها لم تأت على ذكر إسقاط عضوية الداهوم كسبب للمقاطعة، لكن الواقع أنه التفسير الأقرب للحقيقة لخوفها من التبعات السياسية والسخط الشعبي فيما لو حضر أعضاؤها جلسة القسم. وما إعلان استجواب رئيس الحكومة قبل الجلسة بيوم، إلا لثقة الكتلة بأن الحكومة كانت "ضامنة" نصاب الجلسة، فلجأت لتنصل الحكومة عن وعودها كعذر للمقاطعة، مع الحفاظ على رصيدها الشعبي في نفس الوقت، في حركة سياسية ذكية. هذه الحركة التي واجهتها الحكومة بدهاء أيضا بإقرار قوانين كانت من أولويات الكتلة كقانون إلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي، وقانون دعم المتضررين من الجائحة، دون أن يحسب ذلك من رصيد الكتلة النيابي، ليبقى رصيدها الفعلي حتى ساعة كتابة هذه السطور، هو إعلان لاستجوابين بانتظار تقديمهما الفعلي.
قد نختلف مع طريقة تعاطي الكتلة مع المجلس والحكومة حيث جعلت أولويتها إسقاط الرئيسين وإن لم تعلن ذلك رسميا، وسمحت لمن هم دون أعضائها كفاءة ووطنية بقيادتهم نحو أجندات خاصة، لكن يبقى أننا نتوسم فيهم خيرا كثيرا لما نرى فيهم من صلاح السريرة والغيرة الحقيقية على الوطن والنأي عن الاصطفافات الفئوية. ولعل إسقاط عضوية الداهوم وابتعاده عن المشهد السياسي هو مقدمة لتحرير الكتلة من ضغط يمارس عليها بشكل مباشر أو غير مباشر، ويبقى الأمل معقودا عليها لاستلام زمام القيادة لخط ثالث متزن حقيقي، طال انتظاره.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق