2‏/4‏/2021

"حسافة ‏على ‏سيد ‏عدنان ‏! ‏"

"حسافة على سيد عدنان!" لعلها من أكثر الجمل التي تم تداولها على المستوى السياسي المحلي في العقد الأخير، وتحديدا في الوسط الشيعي. المتابع لأوضاع البلد يعرف تماما ما تعنيه هذه "الحسرة" التي يطلقها البعيد قبل القريب من سيد عدنان عبدالصمد، ولكن من باب توضيح "الواضحات"، ف"التحسف" هو لكون سيد عدنان الذي بدأ حياته البرلمانية في ثمانينييات القرن الماضي معارضا شرسا، واستمر في مقعد المعارضة لحوالي ربع قرن، قد انتقل بعد حادثة التأبين الشهيرة إلى مقاعد الموالاة، غير مكتفيٍ بالجلوس في الدرجة "السياحية"، بل كانت بعض مواقفه الحكومية "درجة أولى" كما يراها البعض، آخرها موقفه من جلسة قسم الحكومة وتأجيل استجواب رئيسها إلى أجل بعيد. فلماذا أصبح السيد عدنان "حكومي"؟ 

بداية لا بد من التنويه، بأن هذا المقال ليس استعراض ولا تحليل لمواقف وسيرة سيد عدنان عبدالصمد، التي قد تحتاج إلى مقالات، إنما محاولة بسيطة لتسليط الضوء على المجريات الأخيرة، ومن المناسب ربط المقال بالمقالين السابقين حول موقف الشيعة من عضوية الداهوم، وكتلة "الأمل". أما سيرة السيد، فنتركها لموسم من مواسم الصندوق الأسود مع أخي الإعلامي عمار تقي، لأنها بلا شك ستكون من أقوى المواسم على الإطلاق.

من المناسب أيضا قبل تعليل "حكومية" السيد عدنان أن نجيب على هذا السؤال: "شنو يعني حكومي؟"

في حدود اطلاعي البسيط، لم أجد هذا المصطلح - حكومي - متداولا في الأنظمة البرلمانية الأخرى، ويبدو المصطلح الأقرب له هو (موالاة). ولعل ذلك يرجع لكون ديمقراطية الكويت مختلفة، فالحكومة عندنا ليست حزبا حاكما منتخبا من قبل الشعب، بل إنها مُعينة من قبل رئيس حكومة يعيّنه أمير البلاد. ولذلك فإن اصطلاح كلمة "موالاة" على الحكوميين، قد يفسره البعض بأن المعارضين "لا ولاء لهم". لكن في الواقع، فمصطلح "حكومي" كان عادة ما يستخدم "للتشنيع" على السياسيين الذين يتخذون مواقف تدعم الأجندة الحكومية. وقد برز في الساحة السياسية منذ تأسيس الدستور نوعان أساسيان من النواب الحكوميين. النوع الأول هو النوع "الفدواي"، الذي لا يألوا جهدا في الدفاع عن الحكومة، حقا وباطلا، دون سبب إلا لكونه خاضع بالولاء المطلق لأحد الأقطاب المحسوبة على الأسرة. فهو لا يرى إلا ما يراه "معزبه"، يأتي به يمينا وشمالا، يجلسه في مقاعد الموالاة مدافعا عن الحكومة تارة، وعلى منصات الاستجواب مستجوبا لوزير تارة أخرى، غير عابئ بالنتائج ولا مكترث حتى لما سيجود عليه به معزبه. النوع الثاني هو "النوع المصلحچي"، وهو الذي لم يدخل البرلمان إلا لمصلحة، قد تكون خاصة تتعلق بشخصه من تنفيع نقدي أو نفوذ اجتماعي، أو بفئته دون الاكتراث لبقية الفئات ولا لمصلحة الوطن فيما لو تعارضت مصلحة فئته معها. هؤلاء معروفون باسم "نواب الخدمات"، لا يوالون قطبا بعينه بقدر ما يوالون "الحنفية" التي تملأ جيوبهم أو تحقق مطالبهم ومكتسباتهم، ولذلك تراهم متقلبون، يلعقون الدستور وشعار "محاربة الفساد" ما درت معائشهم.

فأين سيد عدنان "الحكومي" من هذا كله؟

حاشى السيد أن يكون فدوايا لأي طرف، فتاريخه السياسي أطهر من مجرد التفكير بهذه الاحتمالية. وإن كان الأمر يتعلق برؤساء الحكومات التي دعمها السيد عدنان، فتاريخه السياسي يفوق تاريخهم مجتمعين. والعارف بسيد عدنان، صديقا أم عدوا، يعرف أن يده أنظف من أن تمتد للسحت، وأن نفسه أعز من الطمع بمكانة أو نفوذ اجتماعي تدفعه لاتخاذ موقف هنا أو هناك، ومن يقول بغير ذلك، جاهل أو حاقد. كما أن السيد - معارضا وحكوميا - لم يقدم طائفته وتياره يوما على مصلحة أكبر بتشخيصه، سواء اختلفنا أم اتفقنا مع هذا التشخيص. بل إن سهام اللوم طالته- معارضا وحكوميا أيضا - للتفريط ببعض "المكتسبات"، وما يزال يتلقى تلك السهام حتى من أقرب الأقارب. وإن قال البعض بأن السيد يريد دعم الحكومة له لاستمراره في مقعد النيابة، فتلك حجة واهية. فالسيد برغم "حكوميته" تراجعت أصواته، بل حتى لو قرر النزول في أي انتخابات قادمة، فسقوطه لن يكون مفاجئا وهو يعلم تمام العلم أن الحكومة  "ما راح تفيده"، خصوصا مع تعالي أصوات من داخل التحالف الإسلامي نفسه بطلب رحيل السيد. بل على العكس، فقد تكفي السيد كلمة واحدة ضد الحكومة وموقف صغير "معارض"، ليضمن النجاح لا سيما في ظل الانشقاق الكبير الحاصل داخل تيار التحالف الإسلامي وانقلاب العديد من شبابه على السيد.

فإن كان كل ما سبق لا ينطبق عليك، فمن أي نوع "حكومي" أنت يا سيد؟

سأترك إجابة هذا السؤال لك عزيزي القارئ، لكن ما أود أن ألفت عنايتك الكريمة إليه، هو أنه عندما تقرأ مواقف السيد عدنان، عليك أن ترى كل تاريخه السياسي وليس تاريخ ما بعد ٢٠٠٨ وحسب، هذا التاريخ الذي لا يضاهيه من الأحياء إلا تاريخ رموز كالدكتور أحمد الخطيب، والسيد أحمد السعدون، والسيد عبدالله النيباري. كما أتمنى عليك، ألا يكون هذا التاريخ سببا لحجب تقييمك المنصف لمواقف حكومية "صرفة" صدرت من السيد، وألا تخجل من "تخطيئ" السيد هنا أو هناك عندما ترى ذلك، كما عليك ألا تتجاهل مواقف معارضة حقيقية له حتى بعد التأبين. لكن حين تريد فعل ذلك كله، كن منصفا باحثا عن الحقيقة دون لمزٍ وغمز وترهيب.

عودا على بدء، لماذا لازمت صفة "حكومي" السيد عدنان من بعد التأبين، على الرغم من اتخاذه لمواقف معارضة، منها ما أطاح بوزراء؟ لماذا لم يكن السيد في "صف الشعب" في جلسة القسم؟ هل تمكين وتحصين حكومة راعية للفساد كما يراها المعارضون، ظالمة للبدون كما يراها الحقوقيون و"المؤمنون"، ساقطة شعبيا كما يراها المواطنون، أمر مبرر؟! كل ذلك لا يمتلك إجابته إلا السيد نفسه، ولعله أجاب على كثير منه في جلسته الحوارية الأخيرة. لكن إذا كنت ترى السيد مخطئا في تشخيصه، فلتدع مجالا لأن يُخطِّئَ تشخيصك الآخرون أيضا، فأنت أيضا - والكلام هنا للمنصف العاقل والوطني الغيور - لك مبرراتك لانتهاج التأزيم مع الحكومة، والسير خلف أجندات "مشبوهة" بنية صافية سليمة، وتمكين الفاسدين الظالمين من أهدافهم دون أن تدعم ذلك عن عمد٠ فهل "باؤك" تجر و "باء" السيد لا تجر؟

الكل يُقر بوجود مرض عضال أصاب البلد منذ سنوات طويلة اسمه "الفساد". وقد يكون "الهدوء" الذي مارسه سيد عدنان ومن انتهج نهجه لحوالي ١٠ سنوات، والعلاج عبر "المضادات الحيوية" و"المسكنات" سببا لتفاقم المرض وزيادة الاحتقان، ولعل الوقت حان ل "بط دملة" الفساد أو استئصالها جراحيا، فكم من مرضٍ لم يبرأ إلا "بالكيّ". لكن المهم أن تُدرس حالة الوطن المريض بدقة، فبط الدملة والتدخل الجراحي مع مرض عضال لمريض أصلا يعاني عوزا في جهازه المناعي، قد ينجم عنه تفشي الجراثيم في جسد المريض، عندها لا نفع للدواء، والموت هو المصير المحتم. ولذلك من المهم أن تُدرس كل الآراء، وأن يجتمع أمهر الأطباء وأكثرهم خبرة، وسيد عدنان - الحكومي الوطني - أحد هؤلاء لا شك. نحن اليوم بأمس الحاجة لفريق من هؤلاء الأطباء الوطنيين الأفذاذ، حكوميين ومعارضين، للجلوس على طاولة واحدة لوضع خطة علاجية ناجعة للمرض السياسي الذي يعاني منه وطننا، دون تصغير وتحقير لأي رأي، وألا يترك المريض تحت رعاية الأطباء "المشبوهين" أصحاب "الشهادات المزورة". 

اللهم اجعل هذا البلد آمنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق