الاستغراب بات الشعور السائد في الوسط السياسي خلال الأيام الأخيرة، وتحديدا بعد خروج ما أُطلق عليه (بيان الأمة) الذي تلاه الدكتور عبيد الوسمي وما صاحبه من أحداث متسارعة، تصدرها مشهد الانشقاق الذي حصل داخل كتلة ال ٣١. لا أظن أن الانشقاق بحد ذاته كان مستغربا، بل كثيرون توقع ذلك، وإن كنت شخصيا أجد أنه جاء متأخرا، والفضل في استمراره إلى هذا الوقت يعود لممارسات تحالف الرئيسين "المستفزة" كما في نظر الكثيرين. فلم يكن ما جمع النواب ال ٣١ تحت مظلة واحدة برنامج إصلاحي أو مشروع محاربة الفساد كما يتوهم البعض، بل هي الخصومة مع رئيس السلطة التشريعية مرزوق الغانم تحديدا، والتي تطورت إلى خصومة مع رئيس الحكومة صباح الخالد بعد تحالفه مع الأخير، حتى أصبح المطلب الأساسي لهذه الكتلة هو "رحيل الرئيسين".
وبالعودة قليلا إلى تاريخ الثامن من ديسمبر ٢٠٢٠ - أي قبل أسبوع من الجلسة الافتتاحية وانتخاب رئيس المجلس ومكتبه - نجد أن من حضر ديوان النائب السابق د. بدر الداهوم كانو ٣٨ نائبا اتفقوا آنذاك على عدم التصويت للغانم، ليفاجئ الجميع بأن ما حصده مرشح المعارضة - أو الرئيس الشرعي كما أسماه البعض - بدر الحميدي في انتخابات الرئاسة لم يصل حتى إلى العدد ٣١ (حصل على ٢٨) !. لتأتي المفاجأة الأكبر في انتخابات نائب الرئيس والتي حصل فيها مرشح المعارضة د. حسن جوهر على ١٩ صوتا فقط ! كانت هذه مجرد مؤشرات أولية على هشاشة الكتلة الكبيرة (أيا كان عدد أعضائها) وهذا ما راهن عليه الرئيسان، حتى نجح هذا التحالف بإيجاد الثغرة التي من خلالها تمكن من تفكيك الكتلة. فلم يكن اختيار النواب الثلاثة (جوهر، المضف، الوسمي) كممثلين عن نواب المعارضة فيما بات يعرف بالحوار الوطني أمرا عبثيا. فهم فضلا عن تمثيلهم لمختلف شرائح المجتمع (سنة، شيعة، حضر، قبائل)، يشتركون في ٣ عوامل أساسية: الأول هو الهدوء والاتزان والمرونة في التعامل (على عكس بعض المهرجين في الكتلة)، والثاني هو قربهم تحديدا من المحكومين السياسيين في تركيا بخلاف "محكومي لندن"، والثالث أنهم غير محسوبين على أي طرف من أبناء الأسرة كما هو الحال مع بعض "صقور المعارضة". لذا، وفي الساعات الأولى من بيان النواب الذي تلاه الوسمي، ظهر الخلاف داخل الكتلة علنا، والذي عكس توجه فريق محدد يتميز بالصدامية من جهة والتبعية لقطب سياسي من جهة أخرى. والمرجح أن يستمر هذا الخلاف ويتخذ منحنيات أكثر حدة خلال الفترة القادمة عطفا على ما خبرناه من سلوك هذا الفريق طوال السنوات العشر الأخيرة.
المهم أننا اليوم مقبلون على صفحة جديدة من تاريخ الكويت السياسي، والتي كانت أول كلمة كتبت على سطرها الأول هي (العفو). العفو كان وما يزال الشغل الشاغل للمجتمع، وقد بتنا اليوم أقرب إليه من أي وقت مضى، وهو ما يبعث الأمل على مزيد من الإصلاح السياسي وتحقيق مطالب الشعب. غير أن القارئ لتاريخ الكويت يعرف جيدا بأن من يعول على العقلية الحكومية كمن "يحرث في البحر". ولأجل الوصول إلى الإصلاح المنشود لا بد من ساسة مخلصين "ينشد الظهر فيهم"، يقارعون الحكومة بقوة المنطق والعقل، لا بالغوغاء والتهريج وسياسة "الباركود" و"مكبرات الصوت" وسوالف "مدرسة المشاغبين".
لكننا للأسف نعيش واقعا مُرّا، يجد فيه السياسي النظيف المخلص نفسه مضطرا إما للركون إلى حكومة تمارس التمييز وتتغاضى عن الفساد بل قد ترعاه أحيانا، أو، للسباحة مع معارضة غوغائية فيقبل بالخروج عن الأطر الدستورية أو التحالف مع "الشياطين" بل قد يأتمر بأمرهم أحيانا، ولكلٍ أسبابه وتبريراته. والمشكلة الحقيقية لدى هؤلاء المخلصين في كثير من الأحيان هي سكوتهم وعدم توضيح أسباب اتخاذهم لتلك المواقف، بل قد يأتون بمواقف نقيضة لمسيرتهم.
نعرف أن في السياسة لا صديق ولا عدو دائمين، ولذا فإن ما يبدو ظاهرا هو تقلبات في المواقف، قد يكون في الواقع هو لمصلحة أكبر. لذا من الواجب على المواطن الكيّس ألا يثق بأيٍّ كان. وفي الوقت الذي عليه ألا يستغرب تقلبات المتلونين وأصحاب المصالح الشخصية، فلا بد من التماس العذر أحيانا إن بدر من المخلصين موقفٌ غير مفهوم. لكن يبقى العبء الأكبر على كاهل هذا السياسي المخلص بأن يكون واضحا وصريحا في بيان أسبابه - أو تحمل ما يأتيه من نقد لاذع - لا سيما إذا ما أراد ألا تتزعزع ثقة الناس به. وإن كان في الصمت حكمة في كثير من الأحيان، فمن الحكمة أيضا ألا يُترك المواطن يضرب أخماسا بأسداس محاولا الإجابة على أسئلة "متى؟ ولماذا؟ وكيف؟"، فبالأمس معارضة واليوم موالاة، وبالأمس "الرحيل مطلب شعبي" واليوم "الحل بالحوار الوطني"، فما عدا مما بدا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق