منذ الهزيمة الإسرائيلية-الأمريكية في حرب تموز، عمدت آلة الإعلام الصهيونية وعبر أدواتها وأبواقها الناطقة بالعربية إلى تشويه صورة المقاومة الإسلامية في لبنان لدى الشارع العربي بعد الزخم الجماهيري الذي لقيته، وذلك عبر استراتيجيتين أساسيتين: الأولى من خلال إظهار الحزب على أنه "أداة إيرانية" تخدم مشروعا توسعيا للجمهورية الإسلامية تريد من خلاله السيطرة على مفاصل القرار في لبنان ودول عربية أخرى، وأن وجوده وسلاحه تحديدا لن يجر إلا الويلات على لبنان، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. أما الاستراتيجية الثانية كانت من خلال استهداف العقيدة الإيمانية للحزب المتمثلة بالمذهب الشيعي الاثني عشري، والتي بلغت أوجها بعد انخراط الحزب في الحرب في سوريا بمواجهة التنظيمات الإرهابية، وهي لعلها أكبر الفتن التي استغلها الإعلام الصهيوني وتوابعه بتصويره تدخل الحزب على أنه حرب الشيعة ضد السنة. على مدى عقد كامل، وجدت هاتان الاستراتيجيتان طريقا إلى وعي السواد الأعظم للشارع العربي من خليجه إلى محيطه. ولا يقتصر الأمر على من يحمل ضغينة طائفية للحزب، أو استراتيجية معادية لمشروع المقاومة ككل في المنطقة وحسب، بل باتت صورة الحزب "سوداء" حتى في عيون بعض المناهضين للهيمنة الصهيوأمريكية على المنطقة بمختلف مشاربهم الفكرية والسياسية والعقائدية، لا سيما مع الدعم اللامتناهي من مختلف الأنظمة العربية لمشروع "شيطنة" حزب الله. ومع إعلان دخول المقاومة الإسلامية اللبنانية لمعركة طوفان الأقصى إسنادا لغزة في أكتوبر ٢٠٢٣، عاد موقف الحزب ليثير الجدل في الشارع العام، لا سيما بعد شن إسرائيل حربها على لبنان في سبتمبر الماضي وما أسفرت عنه من اغتيال كبار قادة الحزب على رأسهم سماحة السيد حسن رضوان الله عليه، وسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى منه، فضلا عن الشهداء والجرحى من المدنيين، والدمار الهائل الذي طال مختلف المناطق اللبنانية، وتحديدا في الضاحية.
لا يهمني هنا من ارتفعت أصواتهم من الخصوم المعلنين للمقاومة المنفذين للأجندة الصهيوأمريكية باتهام الحزب بجر لبنان إلى الحرب، ولا تعنيني كذلك أصوات من حاول إهمال دور الحزب الأكبر في إسناد فلسطين بغضا أو حقدا، تحديدا بسبب موقف الحزب من الحرب في سوريا. ما يهمني تحديدا هو صوت بعض المثقفين من المؤمنين الداعمين للمقاومة واقعا. ولعل الرأي الأبرز لهذه الفئة هو أن إسناد غزة لم يكن ليستحق ما بذله الحزب من تضحيات، وعلى رأسها التضحية بدم سيد المحور، وأن محور المقاومة فعليا خسر أكبر مما كسب في هذه الحرب نتيجة أسلوب الحزب في التعاطي مع إسناد غزة. ينطلق معظم هؤلاء من موقع المشفق على المقاومة، أو المكلوم لفقد السيد حسن. والسؤال الذي يجدر الإجابة عليه هو "هل كانت إسرائيل ستقدم على اغتيال السيد وكل هؤلاء القادة وتدمير لبنان، لو أن الحزب لم ينخرط "عسكريا" في معركة إسناد غزة؟" الجواب برأيي "قطعا نعم". فإسرائيل، ومنذ طردها المذل من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠، كانت تعد العدة دوما لإعادة احتلال لبنان، أو في الحد الأدنى إنهاء وجود المقاومة فيه لما تمثله من خطر وجودي عليها، وليست حرب تموز ٢٠٠٦ وأيلول ٢٠٢٤ إلا تنفيذا لهذا المشروع. لم تكن إسرائيل يوما بحاجة إلى ذريعة، فلا أسر الجنديين ولا إسناد غزة كان ليغير هذا الهدف الاستراتيجي لمشروع الشرق الأوسط الجديد والمتجدد الذي تقوده الولايات المتحدة وتنفذه إسرائيل، والشواهد على ذلك جلية واضحة. وليس أحد أعرف بهذه الحقيقة من السيد الشهيد، ولذا فإن المقاومة كانت دائما على أتم الاستعداد لمواجهة أسوء الاحتمالات في أي قرار تتخذه، بما فيها وضعها بعد اغتيال السيد نفسه، ولا أدل على ذلك إلا انتصارها الأخير في الحرب مع الكيان، في وقت ظن الجميع فيه أن حزب الله انتهى.
قد يقول قائل بأنه وإن صح هذا الكلام - أي نية إسرائيل المعلنة باغتيال السيد بغض النظر عن ظروف الزمان والمكان - فإن المقاومة كان بإمكانها إدارة الحرب بشكل أفضل وتفادي الخسائر العظيمة التي منيت بها. ألم يكن بإمكان السيد التنازل عن تهديد مستوطنات الشمال والقبول بوقف إطلاق النار على الحدود الشمالية لا سيما بعد موجة اغتيالات القادة للحفاظ على ما تبقى من هيكل المقاومة؟ هل كانت تستحق غزة الاستمرار بالتصعيد، لا سيما وأن الحزب حتى أغسطس الماضي كان قد "عداه العيب" فيما قدمه لفلسطين بالنظر إلى حجم التضحيات والإمكانيات؟ أم أن المقاومة تأخرت أصلا بمستوى تصعيدها وكان عليها استهداف تل أبيب والمستوطنين المدنيين أكثر والتهديد باغتيال نتنياهو في وقت أقرب لتصيب الكيان في مقتل؟ ألم يكن من الأولى ألا يدخل الحزب عسكريا في معركة لم يخطط لها ولم يتخذ قرارها، وأن يكتفي بالإسناد لوجستيا وماديا ؟ ألم يكن من الأجدر بالسيد أن يدير المعركة من خارج الضاحية للحفاظ على روحه الغالية ؟ هل قلل الحزب من توقعاته لأمد الحرب ومداها؟ أم أنه بالغ في تقدير تحصيناته الأمنية والدفاعية في التعامل مع التهديدات الإسرائيلية؟ هل أخطأت المقاومة في حساباتها حين دخلت الحرب في سوريا قبل عشرة أعوام٨، ما عرضها للانكشاف؟
كل هذه الأسئلة وغيرها لا شك أنها مشروعة. لكني شخصيا لست مهتما بالإجابة عليها اليوم، وإن فعلت فلن يعدو ذلك سوى ترفا فكريا لشخص لا يمتلك أدنى مقومات التحليل الميداني والعسكري والأمني حين يتعلق الأمر بحركة مقاومة مع عدو أثبت على مدى التاريخ أنه لا يلتزم بأية خطوط حمراء، ويفتقر لكل ما هو أخلاقي في الحرب. لكنني وبمتابعتي المتواضعة أعلم يقينا أن قيادة المقاومة قد بحثت كل تلك الاحتماليات وأكثر، وأنها في كل قرار اتخذته منذ العام ١٩٩٢ في الحد الأدنى وإلى اليوم، إنما جاء بعد دراسة مستفيضة لميزان المصالح والمفاسد، واضعين نصب أعينهم هدفا استراتيجيا واحدا ألا وهو محاربة المشروع الصهيوأمريكي للهيمنة على المنطقة. قد تصيب بعض القرارات وقد تخطأ، فلا قيادة المقاومة مكشوف عنها حجاب الغيب، ولا السيد الشهيد بمعصوم، لكن سلوكهم طوال سنوات الجهاد اتخذ ركنين أساسيين: الأول هو التبيين، فقد دأب السيد الشهيد في أغلب خطاباته على أن يبقي الجمهور مطلعا على شؤون الأحداث، مبينا لهم أسباب اتخاذ تلك القرارات بتفاوت التفاصيل لظروف الزمان والمكان والجمهور المتلقي لها. والركن الثاني هو أداء التكليف، وهو الأمر الذي يتجاوز حدود حسابات الربح والخسارة المادية أو الميدانية إلى ما هو أسمى، أي العمل لما فيه رضا الله عز وجل أولا وأخيرا. الاعتماد على هذين الركنين، جعل أمثالي من "الأميين" في تحليل المعطيات الميدانية يثق بخطواتهم ثقة مطلقة. وليست هذه دعوة لتعطيل العقل عن التحليل والبحث، أو التلسيم ل"ما أريكم إلا ما أرى"، لكن تكرار طرح هذه التساؤلات دون الجدية في البحث عن الإجابات مع الغفلة عن تناول الحد الأدنى من المعلومات والمعطيات، من شأنه زرع الشكوك وزعزعة الثقة بالمقاومة ومشروعها، فنكون - من حيث لا ندرك وبحسن نية - متكالبين عليها، نصورها على أنها مقاومة متهورة لا تنظر إلى كافة أبعاد قرارتها كما يروج إعلام خصومها. وقد علمنا التاريخ أن حسن النية وحده قد لا يكفي لا سيما في القرارات المصيرية والمنعطفات المفصلية، وأن الأحداث الكبرى تتطلب الالتفاف حول أصحاب البصائر الأقدر على تحليل الأمور. فالتوابون كانو لا شك حسني النية، لكنهم بامتناعهم عن الالتفاف حول الحسين عليه السلام لمختلف الأسباب، خسروا فرصة الالتحاق بأعظم ركب للشهداء، ولو أنهم فعلوا لكانو فازو فوزا عظيما ولعلهم غيروا وجه التاريخ كذلك. حسنوا النية هم أيضا من أشفق على الحسين ونصحه بالابتعاد عن مناطق الخطر، بالذهاب إلى اليمن وحفظ نفسه وإعداد المزيد من العدة قبل محاربة يزيد. حسنوا النية نصحوا مسلم بن عقيل باستغلال الفرصة لاغتيال عبيدالله بن زياد، لكنه التزم بمدرسة الأخلاق الحسينية وأبى الفتك، ولو أنه فعل لقلب الموازين لصالح الحسين. حسنوا النية أشاروا على الحسين بعدم الذهاب للكوفة لتاريخ بعض أهلها من الغدر مع أبيه وأخيه من قبل، لكنه رأى في تكليفه أن الظروف كلها تهيأت للقيام من أجل حفظ الإسلام، ولم يكن واردا أن يتخلى ابن بنت رسول الله عن أداء تكليفه لأن أهل الكوفة "مو كفو". وحين رأى خذلان الجمع، لم يقبل بوقف "إطلاق السيوف" والقبول بشروط يزيد للتفاوض حفاظا على "هيكلية" إمامة أهل البيت، بل ضحى بدمه وهو العارف بمصيره. وعلى الرغم من ذلك كله فإن من أمة جده من رآه متهورا، وحاشاه أن يكون. والمقاومة الإسلامية في لبنان إنما هي بنت هذا النهج الأصيل، وقد أثبتت على مدى ثلاثة عقود أنها تضع مصلحة الحفاظ على الإسلام والكرامة فوق كل اعتبار. ولذا فإن الأجدر بنا اليوم، أن نعود لدراسة مواقف هذه المقاومة، ولا أفضل من ذلك إلا بالرجوع لخطابات الشهيد الأقدس، لاستخلاص الدروس التي من شأنها تنمية الوعي في تحليل الأمور، ثم المعول على كل ذي قلم أن يسخر هذه وعيه في خدمة مشروع المقاومة اليوم في مقابل مشاريع الخذلان والتشكيك.
لقد أكد السيد الشهيد - مرارا وتكرار - أنه مستعد للتضحية بدمه ودماء كل أفراد المقاومة لأجل فلسطين، وقد فعل. لكن قصيري النظر من حسني النية يرون في ذلك مثالية ليست في محلها. غير أنهم لو لبسوا نظارة الشهيد لعلموا أن فلسطين لم تكن مجرد قطعة أرض تريد إسرائيل أن تركعها وحسب، بل كانت وستبقى محور الحق في هذا الزمن وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأن القتل في سبيل الحق أسمى درجات الكرامة، وقد بلغها السيد في أطهر المعارك، سيدا لشهداء طريق القدس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق